وبالتالي، بدأت تُطرح أسئلة عديدة، بعيدًا عن الجدل حول من يتحمل مسؤولية تشويه صورة المغرب، من أبرزها: هل فرص العيش الكريم متوفرة فعلًا في أوروبا؟ وهل بمجرد عبور الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط نكون قد حققنا آمالنا وطموحاتنا؟ وبعبارة أخرى، هل وضع المهاجرين النظاميين في الدول الأوروبية أفضل من نظيره في المغرب؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نفسر الاضطرابات التي تشهدها بعض الدول الأوروبية، والتي يكون أبطالها، في الغالب، من المهاجرين المغاربيين؟ أليس ذلك تعبيرًا عن السخط والتذمر من واقع مرير لا تكفي المساحيق لإخفائه؟
قد يكون الحد الأدنى للأجور في أوروبا يفوق نظيره في المغرب بأضعاف مضاعفة، لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار نسب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فقد لا يكون الفرق كبيرًا كما يبدو. ويُستثنى من ذلك ما يتعلق بأنظمة الحماية الاجتماعية المتطورة في بعض الدول الأوروبية، والتي ترتبط، بطبيعة الحال، بقيمة الاشتراكات المقتطعة من الأجور.
أما إذا ربطنا الأمر بالعدالة الاجتماعية وتحسين ظروف العمل، فإن الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان تتمثل في صعود اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية، التي تمكنت من الوصول إلى السلطة في العديد من الدول، مثل إيطاليا والنمسا وهولندا، وغيرها. ويقوم هذا المد اليميني على برامج انتخابية تدعو إلى الحد من تدفق المهاجرين، بل وتطالب باتباع سياسات أكثر صرامة حتى تجاه المهاجرين النظاميين.
ومن المؤكد أنه لو أُجري استطلاع للرأي في صفوف المهاجرين حول ظروف عيشهم في أوروبا، فإن النتائج قد لا تختلف كثيرًا عن نظيرتها في المغرب.
لذلك، فإن ما ينبغي القيام به هو تكريس قيم المواطنة الحقة في نفوس الشباب والشابات، ليس من خلال برامج الفلكلور والبهرجة، وإنما عبر ثورة حقيقية في المنظومة التربوية برمتها، على أساس أن المدرسة العمومية هي بيت الداء، وفيها أيضًا يكمن الدواء.
كما أن مكونات المجتمع المدني، من هيئات حقوقية ونقابية وسياسية، مطالبة بالاضطلاع بدورها الدستوري، وقبل ذلك بتنظيف بيوتها من الذين اتخذوا منها مرتعًا للريع، ووسيلة لتوزيع الغنائم في كل مناسبة انتخابية.
وإذا ألقينا نظرة على نسبة الأشخاص المسجلين في اللوائح الانتخابية، نجد أن عددًا كبيرًا ممن يحق لهم التسجيل ما زالوا خارجها، وهو مؤشر صادم يطرح أكثر من علامة استفهام. لماذا هذا العزوف عن ممارسة حق يفترض أنه قادر على تغيير موازين القوى؟ هل الخلل في هؤلاء الشباب، أم في تكريس نمط من الاختيارات يجعل الكثيرين يعتقدون أن النتائج محسومة سلفًا، وأن الوجوه نفسها تتناوب على تدبير الشأن العام بالطريقة نفسها، مما يؤدي إلى فقدان الأمل في أي فرصة حقيقية للتغيير؟
إن هذا الواقع لا ينتج سوى مزيد من اليأس والإحباط، وهو ما يدفع خيرة أبناء هذا الوطن إلى المجازفة بأرواحهم بحثًا عن مستقبل أفضل.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة وحدها ثورية، ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، حجبها بالغربال.






