قضايا

حين أصبح حساب ودائع المحامين خاضعا لرقابة المجلس الأعلى للحسابات… فلتبدأ المحاسبة

فاطمة الزهراء الابراهيمي (محامية بهيئة الدارالبيضاء)

لم يعد موضوع رقابة المجلس الأعلى للحسابات على حساب ودائع وأداءات المحامين مجرد مشروع أو احتمال أو مادة قابلة للتأويل السياسي والمهني.

لقد أصبح مقتضى قانونيا نافذا بعد نشر القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في الجريدة الرسمية بتاريخ 20 غشت 2026، بما يرتبه ذلك من آثار قانونية ومؤسساتية.

ومن هنا، لم يعد المجال للقول بقبول التعديل او رفضه

وإنما أصبح الانتظار الفعلي لمتى ستبدأ هذه الرقابة؟ 

وما هو نطاقها؟ 

وهل ستقتصر على الحسابات السنوية التي يقدمها النقباء، أم ستمتد إلى فحص حقيقة العمليات المالية ومطابقتها للوثائق البنكية والمحاسبية؟

حساب ودائع وأداءات المحامين ليس ملكا للهيئة

حساب ودائع وأداءات المحامين ليس مالا مملوكا للهيئة ولا للنقيب ولا لمجلس الهيئة.

إنه حساب ترتبط عملياته في جانب أساسي بأموال الموكلين .

ويرتبط بمبالغ يتم تحصيلها أو أداؤها لفائدة أصحاب الحقوق، 

وبمبالغ مرتبطة بتنفيذ الأحكام والقرارات القضائية والملفات التي يتولى المحامي تدبيرها.

وهنا تكمن خطورة الموضوع.

فنحن لا نتحدث عن حساب داخلي عادي لمؤسسة مهنية، وإنما عن أموال يؤتمن عليها المهني لفائدة أصحابها الحقيقيين.

ولهذا أحاط المشرع هذا الحساب بضمانات خاصة ولم يترك تدبيره لمنطق الرقابة الذاتية وحده.

بل ذهب أبعد من ذلك ،فنص صراحة على إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات للتحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة به، بما يشمل الإيداعات والسحوبات والتحويلات والأداءات والأرصدة والفوائد والمصاريف.

وهنا كان المشرع المغربي واضحا جدا في القول بأن استقلال المهنة لا يعني استقلالها عن القانون.

واستقلال المحامي لا يعني استقلاله عن الرقابة المالية حين يتعلق الأمر بأموال الغير.

و بالتالي إذا كان القانون الجديد قد أرسى الرقابة على حساب ودائع وأداءات المحامين، فإن بدء الرقابة لا ينبغي أن يتحول إلى نقطة صفر تمحو الذاكرة المالية للحساب.

 فالمجلس الأعلى للحسابات بكل وضوح ومسؤولية، مدعو طبقا للقانون الى مباشرة اختصاصه القانوني، وبسط رقابته على حسابات وعمليات الهيئات، بما في ذلك الولايات السابقة.

و ذلك بفحص و افتحاص الحسابات 

و مراجعة العمليات السابقة و مطابقة الارقام بالوثائق و المستندات البنكية و المحاسبية .

و التحقق من الايداعات و السحوبات و التحويلات و الأداءات و الارصدة و الفوائد و المصاريف .

فإذا كانت الحسابات سليمة، فستكون الرقابة شهادة مؤسساتية على سلامة التدبير لمن تولوا مسؤولية إدارة هذه الأموال.

وإذا ثبت وجود اختلالات، فليأخذ القانون مجراه.

لكن إذا كشفت أعمال الرقابة عن أفعال تتوافر فيها عناصر جريمة يعاقب عليها القانون، فلا ينبغي أن تكون الصفة المهنية أو الانتماء إلى هيئة المحامين حاجزا أمام ترتيب الآثار القانونية.

فالرقابة المالية شيء، والمسؤولية الجنائية شيء آخر.

وقد تتقاطع المسارات دون أن تختلط الاختصاصات.

ومن ثم، فإذا كشفت أعمال الرقابة عن وقائع ذات طابع جرمي، فإن الجهة القضائية المختصة تبقى صاحبة الولاية في ترتيب الآثار الجنائية وفق القانون.

المهنة لا تمنح حصانة من القانون كما أن الرقابة لا تعني الإدانة المسبقة.

إذا كانت الرقابة مقررة بقوة القانون، 

فإن الشفافية في نتائجها تصبح جزءا من منطق هذه الرقابة، في الحدود التي يسمح بها القانون.

فالمطلوب ليس أن يدخل المجلس الأعلى للحسابات إلى الحسابات، ثم تنتهي المسألة في صمت.

المطلوب هو رقابة.

تدقيق.

نتائج.

شفافية.

وترتيب للآثار القانونية .

وإذا كانت أعمال المجلس خاضعة لقواعد النشر القانونية، فإن نتائج الرقابة ينبغي أن تصل إلى الرأي العام والمهنيين وفق الشكل والحدود التي يحددها القانون.

لقد دافعت المحاماة دائما عن سيادة القانون.

ودافعت عن استقلال القضاء.

ودافعت عن المحاكمة العادلة.

ودافعت عن حقوق المواطنين.

و لا يمكن أن نطالب الدولة بالشفافية حين يتعلق الأمر بغيرنا، ثم نعتبر الرقابة مساسا باستقلال المهنة حين تقترب من تدبير أموال الغير داخل مؤسساتنا.

الاستقلال المهني لا يعني غياب الرقابة.

والحصانة في ممارسة الدفاع لا تعني حصانة في التدبير المالي.

والسر المهني لا يمكن أن يتحول إلى ستار يحجب عن الجهات المختصة قانونا ممارسة رقابتها، في الحدود التي رسمها القانون.

إن احترام المحاماة يبدأ، قبل كل شيء، من احترام القانون.

واليوم، وقد أصبح إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات مقتضى قانونيا نافذا، 

فإن المطلوب ليس مقاومة تطبيقه، وإنما إنجاحه.

لذلك أقول للمجلس الأعلى للحسابات…

نفذوا القانون.

باشروا الرقابة.

افحصوا الحسابات الحالية والسابقة.

تتبعوا حركة الأموال والعمليات المرتبطة بها.

تحققوا من مصير أموال المواطنين والموكلين وأصحاب الحقوق.

أعلنوا نتائج أعمالكم وفق القانون.

وفي النهاية، ليست الرقابة عداء للمحاماة.

بل إن الرقابة الحقيقية هي التي تحمي المحاماة من الشبهة، وتحمي المواطن من ضياع ماله، وتحمي الهيئة من كل تدبير غير سليم، وتحمي دولة القانون من الاستثناءات..

و هذه دعوة من أجل محاماة أكثر نزاهة، وأكثر شفافية، وأكثر احتراما للقانون.