يقفون هناك، بكامل كبريائهم المكوي بعناية، يوزعون ابتسامات عريضة تم اختبار زواياها مسبقا أمام مرآة الحمام. البدلات سوداء كالمستقبل الذي ينتظرنا، والقمصان بيضاء ناصعة كصفحات تاريخهم الخالية من أي إنجاز، وربطات العنق مشدودة بإحكام شديد يبدو أنه الإجراء الوقائي الوحيد لمنع أي ذرة ضمير من التسرب إلى الخارج.
لوهلة، قد يختلط الأمر على المُشاهد، هل هذا مؤتمر قمة لمناقشة مصير الأمة، أم حفل استقبال لندّل محترفين في مطعم خمس نجوم؟ لكن التدقيق في التفاصيل يكشف الفارق سريعا.
فالندّل في الأماكن الفاخرة يقدمون لك في النهاية شيئا تأكله مقابل مالك، أما هؤلاء، فيأخذون مالك، ويرفعون أسعار طبقك، ثم يبتسمون في وجهك ليوهموك بأن الجوع هو مجرد وجهة نظر غير حضارية.
تتأمل المشهد فتبهرك تلك الابتسامات الصامدة. إنها ابتسامات عجيبة عابرة للأزمات والمجاعات، لا تتأثر بنسب التضخم ولا بانهيار العملة، ابتسامات مدعومة بالكامل بنفقة دافعي الضرائب. يتحركون في القاعة بخفة الكائنات التي لا يحمل كاهلها همّ الفواتير أو الطوابير أمام المستشفى. يتهامسون، يضحكون بنكات داخلية لا يفهمها سوى من يملك حسابا بنكيا سويسريا، بينما الكاميرات تلتقط "القلق المصطنع" على وجوههم بمجرد أن يقترب منهم الميكروفون.
إن هذه الأناقة المفرطة ليست مجرد ذوق رفيع، بل هي درع واق. فالسياسي المعاصر يدرك تماما أنه كلما كان خطابه فارغا، يجب أن تكون كَسْرة سرواله أكثر استقامة.
وإذا عجز عن تقديم حل للأزمة الاقتصادية، فإن عقدة ربطة عنقه من نوع "ويندسور" كفيلة بسد الفراغ البصري. إنهم يعاملون الأوطان كزبائن ثقلاء الظل في مطعم فاخر، يستمعون لشكواهم بإيماءات رأس مدروسة، ويعدونهم بنقل الملاحظات للإدارة، ثم يعودون إلى المطبخ الخلفي ليتقاسموا الأرباح.
المثير في وعودهم أنها لا تخضع لقوانين الفيزياء أو المنطق، فهم يعدون بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق في نفس الجملة، ويعدون بتوفير ملايين فرص العمل بينما يصممون القوانين على مقاس أبنائهم. يتعاملون مع ذكاء المواطن وكأنه ذاكرة سمكة ذهبية، يعلمون أنك ستنسى وعد العام الماضي لأنهم ببساطة يجهزون لك وعدا أكثر بريقا للعام المقبل.
وإذا تجرأ أحد وسأل بعد سنوات: "أين ما وعدتم به؟"، تتبخر تلك الابتسامات الأنيقة فورا، وتتحول الإجابة إلى سيمفونية من شماعات جاهزة: "المؤامرات الخارجية"، "التركة الثقيلة من الحكومات السابقة"، أو العبارة السحرية المفضلة لديهم: "الظروف العالمية الراهنة".
لا تكتمل مسرحية "المطعم الفاخر" بوجود الندل فقط، بل يحتاج العرض إلى "حاشية المائدة" جمهور المصفقين والطبقة التبريرية التي تجلس على المقاعد الجانبية. هؤلاء هم "المتذوقون المحترفون" لكل ما يطرحه السياسيون من أوهام، والمستعدون دائما للإشادة بملوحة الحساء النيئ باعتبارها "رؤية استراتيجية سابقة لعصرها لتقليل استهلاك الصوديوم".
تتكون هذه الطبقة الهتافة من خليط عجيب يجمع بين المستفيدين الصغار، والمحللين "الخبراء" الذين يظهرون في الشاشات برداء الموضوعية، وبعض الدراويش الذين يدافعون عن جلاديهم بحماس يحسدهم عليه الضحايا، وظيفتهم الأساسية هي العيش في جلباب الأناقة السياسية، والتقاط الفتات المتساقط من المائدة الفاخرة، ثم إقناع بقية الشعب بأن هذا الفتات هو في الواقع "منّ وسلوى" هبط من السماء بفضل حكمة الزعماء..
ينتهي المشهد، تنطفئ الكاميرات، وتظل البدلات معلقة في الخزائن الفاخرة بانتظار العرض القادم. ويبقى المواطن وحيدا أمام الفاتورة الباهظة، يضرب كفا بكف، متسائلا: كيف لبلد أغلب منتخبيه فاسدين، أن يُدار بكل هذه الأناقة؟






