سياسة واقتصاد

إساءات للانتخابات ..

جواد شفيق (فاعل مدني وسياسي)

لا ينازع أحد في كون الانتخابات الشفافة ، المنتظمة ، الديمقراطية، حيث تكافؤ الفرص ، هي القاعدة الأساسية لمشروعية التمثيل الديمقراطي و التوطيد الدائم للمؤسسات .

و تجزم القاعدة بأنه من المفترض أن تكون المنافسة بين الأحزاب/ البرامج ، المشاريع ، و الإيديولوجيات في زمن قيل أنه ولى !!

و نحن في بداية جولة انتخابية مغربية جديدة ، تطرح عديد أسئلة حول مدى التقيد بهكذا قواعد عامة ؟

ما رشح و يرشح أبرز كثير بثور ، تقرحات ، تشوهات ....هي في المحصلة إساءات ، سنتطرق لها من خلال سلسلة إضاءات ، لا تزعم العالمية _بكسر اللام_ ، و لكنها ، أقله من زاوية السوسيولوجيا السياسية العفوية ، يمكنها أن تدعي القدرة على الملاحظة.

إلى..إساءة أولى.



إساءات للانتخابات..

1_ تعددية مائعة .

أربعون حزبا تقريبا هو عدد "الأحزاب" المرخصة في المغرب . ينتظر أن يشارك منها في انتخابات 23 شتنبر حوالي ثلاثين ، كل بمرشحيه و رمزه و برنامجه و شعاراته و مناضليه و وعوده و كل ما إلى ذلك مما تحتاجه الانتخابات من لوجيستيك و لجن و مقرات و تمويل و عربات و منصات و مطبوعات و كاسكيطات و تيشورتات و مسيرات و تجمعات...

و هلم انتخابات بعد عودة الروح لمعظم هذه التتنظيمات.

إذا كانت اليسراوية gauchisme هي المرض الطفولي للشيوعية بتعبير العم لينين ، فنستسمحه في أن نقتبس عبارته مع بعض التحوير paraphraser و نقول بأن "البلقنة هي المرض الطفولي للديمقراطية" .

طبعا ، لسنا نبخس الناس حقهم في تأسيس ما يشاؤون من "أحزاب" ما لم يتعارض ذلك مع موانع القانون/ الدستور، و لسنا نبخسهم حقهم البيولوجي في النوم ، بله السبات ، و الاستيقاظ متى شاؤوا .

و عدد الأحزاب السابق ذكره ليس أكثر مما عرفته تجارب أقطار أخرى في مراحل انتقالية من تاريخها ، إسبانيا أكثر من ثمانين حزبا في زمن ولى ، تونس حوالي مائتي حزب بعد ثورة الياسمين المجهضة ، الجزائر كذلك ، البرتغال بعد ثورة القرنفل ...إلخ .

الانتخابات المتواترة و نتائجها تتكلف بالغربلة حتى لا يبقى إلا الراسخون في تراب مجتمعاتهم . و عديد أقطار تحترم ديمقراطيتها تمنع عن غير الممثلين في مؤسسات ما بعد الانتخابات الدعم و الإعلام العموميين ، بل ربما هناك أقطار تحل فيها الأحزاب التي لا تمثل شيئا.

بالعودة لوضع "تعدديتنا" ،

 هل هي حقيقية أم مصطنعة؟

منذ بضعة جولات انتخابية كم حزب يدخل البرلمان ممن يشاركون في الانتخابات ؟ 

هل لكل مشكلة / ثلاثون جوابا ، و كل جواب يختلف عن الآخر مرجعية و إيديولوجية و سياسة و رؤية و برنامجا و حلولا ؟ 

أيمكن الحديث فعلا عن ثلاثين برنامجا انتخابيا ، بله مشروعا مجتمعيا ؟

هل كل حزب مشارك يحمل أقل مقومات الحزب كما عرفها الفكر السياسي ، موريس دوفيرجيه نموذجا ، أو كما عرفها دستور المملكة ؟ 

في الديمقراطيات النموذجية، و لو أنه لا وجود لها إطلاقا ، هناك يمين و يمين وسط ، يسار و يسار وسط ، يمين متطرف و يسار متطرف ، و هناك في بعض الأقطار بالنظر لخصوصياتها التاريخية أحزاب جهوية أو عرقية أو دينية، و لكنها لا تصل من حيث العدد لتعدديتنا .

و في ديمقراطيات أخرى لا يتجاوز عدد الأحزاب عدد أصابع اليد ، مع غلبة لحزبين كبيرين هما من يتداولان على السلطة ، و طبيعي و ديمقراطي جدا أن يقود الأول الحكومة مع حليف أو اثنين و الثاني المعارضة مع الأقرب إليه ، من هنا خواء و هراء محاولة إسقاط هذه التجارب مغربيا بدعوى التوازن المؤسساتي ( و كان حريا الدفع بالتوازن البرلماني لأن حسن سير المؤسسات و توازنها اختصاص ملكي خالص) .

إن غاية كل تعددية حقيقية، هي أن يكون هناك فرز مرجعي و سياسي / برنامجي ، و ليس خلق متاهات labyrinthe أمام الناخبين ، أو إصابتهم بعمى الألوان و الرموز .

و غايتها الفضلى هي أن يجد الناس أنفسهم أمام أحزاب تستحق إسمها، و تكون الانتخابات تتويجا لمسار من الحضور ، و التنخيب و التأطير ...

أما و أن نستيقظ بين عشية و ضحاها ، و قد عشنا خلال خمس سنوات على وقع عشرة أحزاب أو أكثر بقليل " على علاتها " ، لنجد أنفسنا أمام ثلاثين حزبا لم نسمع لمعظمها حسا و لا همسا ، و كتخرج عينيها و تقول حتى هي " فولها طياب" ...فذلك في تقديرنا إساءة للانتخابات و المؤسسات .

إلى اللقاء مع إساءة أخرى .


إساءات للانتخابات..

2_ Cholestérol 

يتوزع الكوليسترول بين نافع و ضار .

و أما النافع فهو المعروف علميا ب HDL أو كوليسترول البروتيين عالي الكثافة الذي يساعد في حماية القلب.

و أما الضار فهو المعروف علميا ب LDL أو كوليسترول البروتيين منخفض الكثافة الذي يسبب ضيق و تصلب الشرايين في حال علق بها .

كذلك الترحال la transhumance فيه نافع و ضار .

نافعه هو ما تعارفت عليه البشرية و قطعانها الحيوانية منذ أكثر من 4000 سنة حتى أن اليونسكو صنفته و سجلته سنة 2023 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي اللامادي للإنسانية.

هذا النوع ، كان يقوم على ترحال القطعان و الإنسان مرتين في السنة شتاءا و صيفا بين براري و مراعي الأعالي و السهول ، و كان نافعا للإنسان و للحيوان من حيث جودة و وفرة الكلأ و نافعا للأرض من حيث تجدد منتوجها و تخصيبها بالمواد العضوية للقطعان ، و لذلك استحق و قد صنف تراثا إنسانيا أن نطلق عليه Transhumance HDL.

و أما ضاره فهو La transhumance politique ، التي تعني رحيل أو انتقال فاعل سياسي أو منتخب من حزب إلى آخر بدافع مصلحي صرف ، انتخابي ، اقتصادي ، مهني ...باختصار : دافع انتهازي صرف.

تحضيرا لاستحقاقات 23 شتنبر ، لم يسبق للحياة السياسية أن عرفت موجة ترحال سياسي كاللتي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية ، مع اشتداد وتيرتها منذ نهاية ولاية مجلس النواب الحالي : استقالات من مجلس النواب و مجلس المستشارين استعدادا لتغيير الجلد ، استقالات من مجالس الجهات و الجماعات و المقاطعات و استقالات من الأحزاب للالتحاق بأحزاب أخرى .

منتخبون من الأغلبية يغادرون سفينتها لركوب قوارب المعارضة و الترشح باسمها .

و منتخبون من المعارضة كالوا للأغلبية شتى أنواع النقد و التقريع طيلة الولاية التشريعية ، ثم غادروا معارضتهم ، ليترشحوا تحت يافطة خصوم الأمس. 

يمينيون أصبحوا في رمشة عين رفاق يساريون.

يساريون لا يستحيون من أن يصبحوا قادة يمينيون .

و تقنوقراط لم يصبح الصبح إلا و قد صاروا قادة سياسيون كبار.

و هؤلاء الرحل هم دائما أنفسهم ، نفس الأسماء، نفس العائلات ، ونفس الممارسات ...فقط اليافطات أو المعاطف من تبدلت.

حتى تخلطت "بكرع كلب" .

و استحال التصنيف و التوصيف .

استحال العزل و الفرز.

و أحزاب ، و على الأصح أطلالها ، عجن فيها الجميع بالجميع حتى استحال بعد العجن إعطاء إسم لها أو إسباغ هوية عليها.

أحزاب تحولت و تحورت و شجعت و شبعت ترحالا منها و إليها حتى فقدت أدنى ركن من أركان حزبيتها.

أحزاب صارت ، أو هي على عتبة أن تصير مجرد وكالات / شركات لتدوير متلاشيات ، حتى لا نقول أقسى من ذلك مما يدور.

هذا الترحال ، المسيء للسياسة و الانتخابات ، الضار بالمؤسسات ، هو في نهاية الأمر ليس تغيير انتماء .

الانتماء : مرجعية ، فلسفة ، قناعة ، اختيار ، مبدأ ، ثبات ...ديمومة.

و أما ما شاهدناه و شهدناه بألم و أسف و اشمئزاز و تقزز فليس سوى تغيير " عضوية" كانت مشتراة ربما ، معطف ، مظلة ، فندق ساءت فيه الخدمة ...و استبدال كل ذلك بمكان آخر حيث الهمزة ، همزة أخرى .

و على الانتماء السلام .

 هذا الترحال الضار هو transhumance LDL .

إنه إساءة ما بعدها إساءة.

و إلى اللقاء مع إساءة أخرى.