المفارقة الأولى أن المشرع الإسباني لم يعترف بـدولة صحراوية، ولم يمنح صفة قانونية لكيان سياسي، وإنما فتح مسارا فرديا للحصول على الجنسية، يتقدم عبره كل شخص بملفه ووثائقه لإثبات توافر الشروط المطلوبة. أي أن القانون، من زاوية آثاره القانونية المباشرة، يتعامل مع أفراد وليس مع شعب باعتباره كيانا سياسيا مستقلا.
وهنا تظهر أولى المفارقات بالنسبة إلى الأطروحة الانفصالية. فالقضية التي تقدمها البوليساريو باعتبارها مشروعا جماعيا لبناء دولة، يعيدها التشريع الإسباني في موضوع الجنسية إلى سلسلة من الخيارات الفردية، شخص يطلب الجنسية، وأسرة تبحث عن الاستقرار وأبناء يمكن أن يرتبط مستقبلهم بإسبانيا والفضاء الأوروبي.
وقد يبدو الأمر في البداية مكسبا سياسيا للبوليساريو، غير أن أثره البعيد قد يسير في الاتجاه المعاكس. فالجنسية الإسبانية ليست مجرد وثيقة رمزية مرتبطة بذاكرة الاستعمار، وإنما تفتح أمام حاملها فضاء واسعا من الحقوق والفرص داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي. وهنا يصبح السؤال ديمغرافيا واجتماعيا بقدر ما هو سياسي، ماذا يحدث لمشروع دولة مفترضة عندما يصبح جزء من الكتلة البشرية التي يفترض أن تبنيها قادرا على اختيار مستقبل فردي وعائلي داخل دولة أوروبية قائمة بالفعل؟
غير أن التشريع يفتح سؤالا أكثر حساسية بالنسبة إلى مدريد نفسها. فلا يبدو أن الانتماء السياسي أو العسكري إلى البوليساريو، في حد ذاته، يحول دون استفادة من يستوفي الشروط التي يحددها النص من مسار التجنيس. وهذا يعني من حيث الاحتمال القانوني، أن يصبح أفراد منخرطون في البنية السياسية أو العسكرية للجبهة مواطنين إسبان إذا استوفوا تلك الشروط.
وهنا تبدأ المفارقة الحقيقية التي ربما تستحق نقاشا داخل إسبانيا أكثر من الاحتفال بالتصويت نفسه، ماذا يحدث إذا أصبح من يحمل اليوم سلاح البوليساريو مواطنا إسبانيا غدا؟
الجنسية الإسبانية لا تجعل الدولة الإسبانية مسؤولة جنائيا عن الأفعال التي يرتكبها مواطنوها، فالمسؤولية الجنائية شخصية ولا تنسب أفعال الفرد إلى الدولة لمجرد حمله جنسيتها. غير أن تحول أفراد منخرطين في بنية عسكرية أو تنظيمية للبوليساريو إلى مواطنين إسبان يفتح أمام مدريد أسئلة أمنية وقضائية وسياسية لم تكن مطروحة بالحدة نفسها.
فكيف ستتعامل إسبانيا مع مواطن يحمل جنسيتها إذا شارك، بعد تجنيسه، في أعمال مسلحة خارج حدودها؟ وكيف ستتعامل أجهزتها وقضاؤها مع مواطن إسباني يوجد ضمن بنية عسكرية لتنظيم يخوض نزاعا مسلحا؟ وأين تنتهي الحقوق المرتبطة بالمواطنة وتبدأ مسؤولية الفرد أمام القانون الإسباني متى توافرت شروط الاختصاص القضائي؟
المسألة هنا لا تتعلق بتحميل مدريد مسؤولية أفعال هؤلاء، وإنما بالسؤال عن النتائج القانونية والسياسية التي تنشأ عندما تتحول العلاقة من التعاطف مع قضية خارجية إلى رابطة مواطنة بين الدولة وأشخاص قد يواصل بعضهم نشاطا عسكريا خارج حدودها.
فالمواطنة ليست مجرد جواز سفر. إنها رابطة قانونية تنتج حقوقا وواجبات. ومن هنا قد تجد مدريد نفسها أمام مفارقة لم تكن في مقدمة الحسابات السياسية التي رافقت المشروع، أشخاص كانت تتعامل معهم بوصفهم جزءا من قضية سياسية خارجية يمكن أن يصبحوا مواطنين إسبان يخضعون لقوانينها ويتمتعون بحقوق مواطنيها.
أما المفارقة الأكثر إحراجا للبوليساريو فتوجد في مكان آخر. كيف يمكن لحركة تقدم نفسها باعتبارها حركة تحرر من إرث استعماري أن تفسر سعي أفراد من حاضنتها إلى الحصول على جنسية القوة الاستعمارية السابقة؟
ويصبح السؤال أكثر ثقلا عندما يتعلق الأمر بالأجيال الجديدة. فالشاب الذي يجد أمامه إمكانية الحصول على جواز إسباني يفتح له أبواب الدراسة والعمل والإقامة والتنقل داخل أوروبا سيقارن، بحكم منطق الحياة، بين فرصة قائمة أمامه الآن ومشروع دولة ينتظر قيامها منذ نصف قرن.
ولا يعني حصول الفرد على الجنسية الإسبانية أنه تخلى تلقائيا عن موقفه السياسي أو تأييده للبوليساريو. غير أن تراكم القرارات الفردية من هذا النوع يمكن، بمرور الزمن، أن ينتج تحولا اجتماعيا أعمق من الشعارات السياسية. فمشاريع الدول تحتاج قبل الخرائط والأعلام إلى كتلة بشرية ترى مستقبلها ومستقبل أبنائها داخل الدولة التي تطالب بإنشائها.
وهنا قد يكمن الأثر العكسي للتجنيس. فبدل أن تمنح إسبانيا البوليساريو خطوة نحو الاعتراف بالدولة التي تطالب بها، تمنح أفرادا طريقا نحو الاندماج في دولة قائمة بالفعل. وبدل أن يصبح السؤال: متى يحصل هؤلاء على جواز دولتهم المفترضة؟ يصبح السؤال: كم منهم سيختار جواز الدولة الاستعمارية السابقة؟
أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الجنسية الإسبانية لا تغير في حد ذاتها موازين الواقع على الأرض. إسبانيا تستطيع أن تمنح الجنسية، لكنها لا تستطيع بالجنسية وحدها صناعة سيادة جديدة أو تغيير الوضع الميداني. والمغرب يستطيع تعزيز موقعه كلما نجح في تحويل سيادته الفعلية إلى نموذج تنموي ومؤسساتي وسياسي أكثر جاذبية للأجيال المقبلة، وفي تقديم مشروع الحكم الذاتي باعتباره أفقا واقعيا قابلا للحياة.
وهنا تكتمل مفارقة المشهد: مدريد تمنح الجواز، والمغرب يمسك بالأرض ويطورها، والبوليساريو مطالبة بتفسير كيف يخدم مشروع الدولة المستقلة تحول جزء من الحاضنة التي تراهن عليها إلى مواطنين في دولة أخرى.
أما إسبانيا فسيبقى أمامها السؤال الذي ربما لم يكن حاضرا بما يكفي لحظة التصويت: ماذا لو كان بين مواطنيها الجدد غدا من يحمل اليوم سلاح البوليساريو؟
عندها لن يكون التجنيس مجرد تسوية لإرث استعماري، بل بداية أسئلة أمنية وقانونية وسياسية صنعتها مدريد بيدها.






