مجتمع وحوداث

ننضبط للقرار ولا نتوقف عن التفكير في سياق الامتثال النقدي

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)
صدر قرار مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب باستمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية، وإذ نحترم القرار ونلتزم بتنفيذه، فإن امتثالنا يندرج في إطار ما نسميه الانضباط النقدي: انضباط في التنفيذ، وحرية في التفكير، ومسؤولية في التقييم.

فالاختلاف قبل القرار لا يتحول بعد صدوره إلى تعطيل له، مثلما أن صدور القرار لا يحصنه من السؤال والمراجعة. فالتوقف وسيلة نضالية وليس مبدأ في ذاته؛ أما المبدأ فهو استقلال المحاماة وكرامتها وصون رسالتها وضمان شروط الدفاع؛ ولذلك تظل الوسيلة، مهما بلغت مشروعيتها، قابلة للاختبار في ضوء تطور السياق: ماذا حققت؟ وما كلفتها؟ وما قدرتنا الجماعية والفردية على مواصلتها؟ وهل ما تزال، في ضوء المعطيات المستجدة، الأداة الأنجع لتحقيق الغاية؟.

ومن هنا تصبح جودة التعليل جزءً من قوة القرار وشرعيته العملية ، فالاتجاه الأغلبي يمنحه المشروعية التمثيلية، لكنه يزداد قوة حين يبين أسباب اختيار الاستمرار، والبدائل التي جرى تقديرها، وشروط الصمود، والمؤشرات التي سيعاد على ضوئها تقييم الوسيلة ؛ فالصمود الذي لا يقيس قدرته قد يتحول إلى استنزاف، مثلما أن الوسيلة التي لا تُقيَّم قد تنفصل تدريجيًا عن الغاية التي وُضعت لخدمتها.

لم أكن أرغب في العودة إلى الكتابة في الموضوع بعد صدور القرار، لولا بعض الكتابات التي غلب عليها أحيانًا منطق الانتصار في النقاش، لذلك وجب التذكير بأن اختلافنا لم يكن يومًا خروجًا عن وحدة المحاماة أو تشكيكًا في مؤسساتها؛ نحن من أنصار الوحدة المهنية والديمقراطية الداخلية، وسنمتثل للقرار ونساهم في إنجاحه؛ لكننا، في الوقت نفسه، من دعاة التفكير النقدي التوقعي الذي يفحص الوسيلة أثناء اشتغالها، ويقيس كلفتها، ويستشرف آثارها، ولا ينتظر نهايتها حتى يسأل عن جدواها.

لذلك لا غالب بيننا ولا مغلوب؛ فالقرار قرار المهنة، وليس غنيمة اتجاه داخلها. قد نختلف في تقدير الوسائل ونجتمع على الغايات، ونمارس حقنا في النقد قبل القرار، وواجب الانضباط بعده ؛ ومسؤولية التقييم أثناء تنفيذه .

سننضبط إذن للقرار، ولكن بعين نقدية مفتوحة على الوقائع والنتائج؛ لأن وحدة الصف لا تعني وحدة الرأي، والديمقراطية لا تكتمل بالتصويت وحده، بل بجودة التعليل وقابلية القرار للتقييم والتقويم. فتلك ليست معارضة للمؤسسة، بل إحدى صور الوفاء لها ، ونتمنى أن يشتغل المحامون على إبداع مخارج ، والعمل على إنضاج الأفكار والمقترحة عوض ” النوم في العسل ” وكأننا في عطلة ، كما نتمنى أن نستحضر ضرورة افتحاص الشرط الذاتي ، والنحت في سبيل بلورة صيغة توافقية ترضي الوحدة وتنصف التكافؤ .