من وعود الحاضر إلى أسئلة المستقبل
مع انطلاق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تضع الأحزاب السياسية أمام الناخب المغربي برامج انتخابية حافلة بالوعود، يبرز فيها بقوة سؤال القدرة الشرائية، والأجور، والدعم، والتشغيل، والخدمات الاجتماعية. وهي قضايا مشروعة تمس الحياة اليومية للمواطن، لكن التنافس الانتخابي لا ينبغي أن يتحول إلى سباق حول سؤال واحد: من سيمنح المواطن أكثر؟
السؤال الأهم هو: كيف سنبني اقتصاداً قادراً على إنتاج الثروة التي تموّل هذه الالتزامات وتضمن استدامتها؟
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة ما سيحصل عليه غداً، بل من حقه أن يعرف أي اقتصاد سنبني، وأي دولة اجتماعية نريد، وكيف سنحافظ على قدرتنا على تمويلها في المستقبل.
أولاً: الدولة الاجتماعية وحماية المواطن
لا خلاف على أن ترسيخ الدولة الاجتماعية أصبح خياراً وطنياً أساسياً. لكن الدولة الاجتماعية لا يمكن أن تقوم على التوسع المستمر في النفقات والتحويلات من دون اقتصاد منتج وقادر على خلق الثروة.
كل وعد مالي له كلفة، وكل التزام اجتماعي يحتاج إلى موارد دائمة. لذلك من حق المواطن أن يسأل: من أين ستأتي الموارد؟ وما أثر الالتزامات الجديدة على الميزانية والدين والاستثمار العمومي؟ وكيف سنضمن ألا تتحول الدولة الاجتماعية إلى إعادة توزيع دائمة لإمكانات محدودة؟
فالقدرة الشرائية لا تختزل في مقدار ما تمنحه الدولة للمواطن، وإنما أيضاً في مقدار ما يدفعه لكي يعيش بكرامة.
مدرسة عمومية جيدة تخفف كلفة التعليم، ومستشفى فعال يحمي الأسرة من صدمة المرض، وحماية اجتماعية ناجعة تقلل مخاطر الهشاشة، وسياسة دوائية فعالة تمنع العلاج من التحول إلى عبء مالي؛ كلها أشكال مباشرة من حماية القدرة الشرائية.
التقاعد والصحة والحماية الاجتماعية: إصلاحات لا تحتمل التأجيل
من الملفات التي تحتاج إلى نقاش أكثر صراحة إصلاح أنظمة التقاعد، التي تواجه اختلالات مالية وهيكلية. فالتقاعد ليس ملفاً تقنياً فحسب، بل قضية عدالة بين الأجيال. ومن غير المسؤول أن نؤجل كلفة الإصلاح اليوم لنحمّلها للأجيال المقبلة غداً.
والأمر نفسه ينطبق على الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية. فقد قطع المغرب أشواطاً مهمة في توسيع قاعدة المستفيدين، لكن نجاح التغطية لا يقاس بعدد المسجلين فقط، بل بقدرة المواطن على العلاج دون أن تستنزف النفقات الصحية دخل أسرته.
ومن هنا تبرز قضية الدواء: ضبط الأسعار، وضمان الولوج إلى الأدوية الأساسية، وتحسين آليات الشراء والتوزيع، حتى تتحول الحماية الصحية إلى حماية فعلية لا إلى مجرد تغطية اسمية.
الشباب والمرأة: قلب المشروع الاجتماعي والاقتصادي
تظل قضية التشغيل، ولا سيما تشغيل الشباب، من أكبر التحديات. لكن الشباب لا ينبغي أن يظهر في البرامج باعتباره مجرد مستفيد من الدعم أو التكوين. إنه رأس المال البشري والاستراتيجي للمغرب، والقوة التي ستقود التحول الاقتصادي والتكنولوجي.
والأمر نفسه ينطبق على النساء. فتمكين المرأة لا ينبغي أن يختزل في التمثيلية السياسية، بل يجب أن يمتد إلى التمويل والمقاولة والملكية والتكوين والعمل اللائق والحماية الاجتماعية والتوفيق بين الحياة المهنية والأسرية.
إن المرأة قوة بشرية واقتصادية يمكن أن ترفع الإنتاجية والنمو، وأي نموذج تنموي لا يستثمر في هذه الطاقة يظل ناقصاً.
ثانياً: من الحماية الاجتماعية إلى إنتاج الثروة
بعد تحديد ما نريد من الدولة الاجتماعية، يطرح السؤال نفسه: من أين سنأتي بالثروة التي ستمولها؟
لا يمكن للدولة أن تمول طموحاً اجتماعياً متزايداً إذا لم يكن الاقتصاد نفسه أكثر قدرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
لذلك يحتاج المغرب إلى رفع الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتقوية المقاولات، ودعم الابتكار والرقمنة، وربط التكوين بحاجات الاقتصاد، وتعزيز القدرة التصديرية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
فالمطلوب ليس فقط توزيع الثروة، وإنما توسيع قاعدة إنتاجها.
التشغيل: من معالجة البطالة إلى صناعة فرص المستقبل
السؤال الاقتصادي بالنسبة إلى الشباب لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نوفر له وظيفة اليوم؟ بل: كيف نبني اقتصاداً قادراً على خلق وظائف ذات قيمة غداً؟
وهذا يقتضي إعادة النظر في العلاقة بين التعليم والتكوين وسوق الشغل، وتشجيع المقاولة والابتكار، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على خلق وظائف مستدامة وعالية القيمة.
فالشغل ليس مجرد دخل؛ إنه اندماج اجتماعي، وكرامة، واستقلال اقتصادي، ومشاركة في بناء الوطن.
العدالة المجالية ومغاربة العالم
العدالة المجالية لا ينبغي أن تعني فقط توزيع المشاريع والتجهيزات، بل توزيع فرص النمو وإنتاج الثروة. المطلوب أن تمتلك كل جهة قدرة حقيقية على استقطاب الاستثمار وتثمين مواردها وربطها بالاقتصاد الوطني والدولي.
أما مغاربة العالم، فلا ينبغي النظر إليهم فقط كمصدر للتحويلات، بل كامتداد بشري واقتصادي وثقافي للمغرب. إن حماية مصالحهم، ومواكبة الأجيال الجديدة، وتشجيع عودة الكفاءات ورؤوس الأموال والخبرات، يمكن أن يحول الارتباط بالمغرب إلى قوة اقتصادية واستراتيجية إضافية.
ثالثاً: المغرب أمام الثورة التكنولوجية
بعد قضايا الاجتماع والاقتصاد، تبرز قضية ستعيد تشكيل كل ما سبق: الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.
المغرب ليس خارج هذا التحول، ولا يملك ترف الانتظار حتى تتضح نتائجه. فالذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة عدد كبير من المهن، وقد يلغي بعض الوظائف ويخلق أخرى، وسيعيد تشكيل التعليم والإنتاج والخدمات والإعلام والإدارة وحتى أنماط التواصل والعلاقات الاجتماعية.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال الانتخابي أكثر عمقاً: هل نعد شبابنا للوظائف التي سيحتاجها اقتصاد المستقبل، أم نواصل إعدادهم لسوق شغل يتغير أمام أعيننا؟
لكن المسألة لا تتعلق بالتشغيل وحده. هناك أسئلة أعمق تتصل بحماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، ومخاطر التضليل، وتأثير الخوارزميات في الرأي العام، وحماية الأطفال والشباب، ومستقبل القيم الإنسانية في مجتمع تتزايد فيه سلطة التكنولوجيا.
لذلك يحتاج المغرب إلى سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تربط الابتكار بالتشغيل، والتعليم بالحاجات الجديدة، والتكنولوجيا بالأمن الوطني، وتضمن أن يكون المغرب مستخدماً للتكنولوجيا ومنتجاً لها في الوقت نفسه.
فمن يملك التكنولوجيا يملك جزءاً من سيادته؛ ومن يستهلكها فقط يظل معرضاً للتبعية.
رابعاً: الماء والطاقة والغذاء… أمن المستقبل
بعد التحول التكنولوجي، تأتي مجموعة من التحديات التي تمس صميم الأمن الوطني: الماء، والطاقة، والغذاء.
فالماء لم يعد مجرد قضية سدود وبنيات تحتية، بل أصبح محدداً لمستقبل الفلاحة والصناعة والسياحة والاستقرار المجالي. وكذلك الطاقة والغذاء، اللذان أصبحا جزءاً من معادلة السيادة الوطنية في عالم شديد الاضطراب.
ولهذا ينبغي أن تُقرأ الخيارات الاقتصادية الكبرى أيضاً من زاوية الأمن الوطني والسيادة الاستراتيجية.
خامساً: الوحدة الترابية والتنمية… وجهان للسيادة
قضية الوحدة الترابية لا ينبغي أن تبقى أسيرة الخطاب الدبلوماسي. فإذا كان الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية خياراً استراتيجياً للمملكة، فإن ترجمته تقتضي أيضاً نموذجاً متقدماً للحكامة والتنمية والجهوية.
فالوحدة الترابية تُدافع عنها في الخارج، لكنها تُرسخ كذلك في الداخل من خلال التنمية والعدالة والمؤسسات والتعليم والثقافة وترسيخ الانتماء.
والسيادة الوطنية، في عالم اليوم، لا تُبنى بالدبلوماسية وحدها؛ إنها أيضاً قدرة اقتصادية وتكنولوجية ومائية وغذائية وطاقية.
سادساً: الهوية والقيم… أي مجتمع نريد؟
التنمية ليست أرقاماً فقط، والسيادة ليست اقتصاداً فقط.
فالمغرب بلد عريق ومتعدد الروافد، وتماسكه الوطني يحتاج إلى رؤية واضحة بشأن المدرسة والإعلام والثقافة واللغة والقيم التي نريد أن ننقلها إلى الأجيال الجديدة.
ولا يمكن أن نبني اقتصاداً حديثاً ونترك سؤال الهوية والانتماء خارج النقاش العمومي. فالمشروع الوطني ليس فقط مشروعاً لإنتاج الثروة، وإنما أيضاً مشروع لبناء مجتمع متماسك، واثق في هويته، ومنفتح على العالم دون أن يفقد بوصلته.
سابعاً: من الوعد إلى المسؤولية
كل هذه الرؤى ستظل مجرد عناوين إذا لم ترتبط بالحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المواطن يريد أن يعرف ماذا تحقق من الوعود السابقة، وما الذي لم يتحقق، ولماذا. وكل التزام ينبغي أن تكون له أهداف واضحة، وآجال محددة، وموارد معروفة، ومؤشرات قابلة للقياس.
كما أن التواصل السياسي يجب ألا يكون موسمياً. فبعد الانتخابات، يظل للمواطن الحق في أن يعرف لماذا اتُّخذ قرار معين، وكم كلف، ومتى ستظهر نتائجه، ومن يتحمل مسؤولية التعثر.
الديمقراطية لا تختزل في يوم الاقتراع؛ إنها علاقة مستمرة بين المواطن والمؤسسات.
الاختبار الحقيقي: القدرة على التنفيذ
في النهاية، لا تكمن قيمة أي برنامج في عدد الوعود التي يتضمنها، وإنما في قدرته على التحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى نخبة سياسية وبرلمانية وحكومية تجمع بين الشرعية والكفاءة، وتملك الجرأة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحمل نتائجها.
فالسياسة ليست فقط القدرة على الفوز بالانتخابات؛ إنها القدرة على إدارة التعقيد، والدفاع عن المصلحة الوطنية، وصناعة القرار، وتحمل المسؤولية.
المواطن لا يمنح شيكاً على بياض
المواطن المغربي لا يحتاج فقط إلى أن يعرف ماذا سيحصل عليه؛ بل يريد أن يعرف أي مغرب سنبني، ومن سيمول بناءه، وكيف سنضمن استمراره، ومن سيتحمل مسؤولية النجاح أو الفشل.
ولهذا ينبغي أن ترتقي انتخابات 2026 بالنقاش من إغراء الناخب إلى مسؤولية القيادة.
على الأحزاب أن تقول بوضوح: ماذا ستفعل؟ كم سيكلف ذلك؟ من أين ستأتي الموارد؟ ما الآجال؟ وما مؤشرات النجاح؟ وعلى المواطن، في المقابل، ألا يكتفي بالتصويت على الوعود، بل أن يجعل من صوته بداية لمسار من المتابعة والمساءلة.
فالناخب يمنح صوته، لكنه لا يمنح شيكاً على بياض. والحزب الذي يطلب ثقة المواطن عليه أن يكون مستعداً، منذ اليوم الأول، لتقديم الحصيلة في اليوم التالي.
في الديمقراطية الجادة، لا تبدأ المحاسبة بعد الفشل، بل تبدأ منذ لحظة الالتزام.
فالوعد بداية المسؤولية، والتنفيذ جوهرها، والمساءلة ضمان استمرارها.






