يضع فوز حزب الأصالة والمعاصرة بالمرتبة الأولى في انتخابات 2026 الأداء المؤسساتي للحزب أمام اختبار بنيوي غير مسبوق، يتعلق أساسا بطبيعة بنية القيادة. فبمنحه الأغلبية للحزب، نقل الصندوق الانتخابي النقاش من صراع البرامج بين الفرقاء إلى أزمة تلاؤم تنظيمي داخلي؛ حيث يصطدم نموذج "القيادة الجماعية الثلاثية" الذي يتبناه الحزب حرفيا بالفصل 47 من الدستور، الذي يفرض تعيين شخصية محددة وفردية لتولي رئاسة الحكومة.
غير أن التدقيق في هذا التقاطب الداخلي يكشف أن الفاعل الحقيقي والموجه الصامت لخيارات الحزب ليس القواعد التنظيمية، بل هو "معيار المقبولية" لدى المؤسسة الملكية.
داخل مطبخ القرار في الحزب، يتنازع التعيين المرتقب منطقان في إدارة الدولة يستشرف كلاهما رغبة مركز الثقل السياسي في البلاد؛ المنطق الأول يدافع عن "الشرعية السياسية الحزبية الكلاسيكية" المنبثقة من النواة الصلبة للحزب. يراهن هذا التيار على أن احترام المنهجية الديمقراطية يقتضي قيادة الحزب للحكومة بوجهه السياسي الصرف، تأمينا للامتداد التنظيمي داخل أجهزة الدولة وضمانا لانسجام الأغلبية البرلمانية.
في المقابل، يتحرك تيار ثان مدفوعا بـ"منطق النجاعة التدبيرية والتقنوقراطية"، معتبرا أن الأولوية الراهنة للمغرب هي اقتصادية ومالية صرفة مرتبطة بالتزامات هيكلية كبرى وأوراش سيادية داهمة، مما يتطلب تصدير بروفايل ذي خلفية تدبيرية ثقيلة وقادر على التنسيق المباشر مع تكنوقراط الإدارة، حتى لو كان حديث العهد بالتنظيم.
وهنا يبرز الدور المحوري للملكية، فالوثيقة الدستورية وإن قيدت التعيين بالحزب الأول، إلا أنها تركت للملكية سلطة تقديرية واسعة في تحديد "هوية الآمر بالصرف السياسي". فالحزب لا يملك فرض اسم وحيد بصيغة الأمر الواقع، بل يتحرك تحت سقف معايير "رجل الدولة" التي تحددها الملكية بناء على اختصاصاتها في الفصل 42 كراع للمصالح الاستراتيجية الكبرى للبلاد (مثل الحماية الاجتماعية والاستحقاقات الدولية لعام 2030).
بناء عليه، يصبح التنافس بين الجناح الحزبي والجناح التقنوقراطي داخل الأصالة والمعاصرة بمثابة تمرين لاستباق شروط القبول الملكي،، حيث يحاول كل طرف تقديم بروفايله باعتباره الخيار الأكثر أمانا واستقرارا، والأقدر على التحول إلى شريك تنفيذي منسجم مع الرؤية السيادية للدولة.
تكمن العقدة السياسية في أن الملكية تظل الملاذ الحتمي من سيناريوهات "البلوكاج" أو العجز الحزبي عن إنتاج قرار موحد. فإذا ما عجزت القيادة الجماعية للحزب عن حسم خيارها الفردي، أو فشل الاسم المقترح في تأمين حزام تحالفي متماسك، فإن الممارسة الدستورية تمنح الملكية مشروعية التدخل لتوجيه مسار التشكيل الحكومي تلافيا لهدر الزمن السياسي.
في نهاية المطاف، يكشف هذا المشهد أن الفصل 47 لم يقلص حضور الملكية في الهندسة السياسية، بل أعاد تموقعها كحَكَم أسمى وموجه صامت يتنقل الحزب المتصدر بين رغباته التنظيمية وشروطه التدبيرية الصارمة لضمان العبور نحو رئاسة الجهاز التنفيذي..






