سياسة واقتصاد

المغرب وإسرائيل: المناهضة لا تطعم جائعا ولا تعالج مريضا أو جريحا

سعيد الكحل (باحث متخصص في الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة والإرهاب)
يشكل قرار المغرب وإسرائيل الارتقاء بعلاقاتهما الدبلوماسية إلى مستوى فتح السفارتين وتعيين سفيرين محطة جديدة في مسار العلاقات الثنائية الذي انطلق من استئناف العلاقات سنة 2020. فالقرار الذي أُعلن عنه في 16 سبتمبر 2026 لا يتعلق بمجرد تغيير في تسمية البعثات الدبلوماسية، وإنما يؤسس لمرحلة أكثر انتظاماً في إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والتكنولوجية بين البلدين. وقد تزامن الإعلان عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع الاتفاق على تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، واستكمال اتفاقات تتعلق بحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي، فضلاً عن توسيع النقل الجوي واستئناف الرحلات المباشرة.

وإذا كان من حق المعارضين لهذا الخيار الدبلوماسي أن يطرحوا أسئلة حول جدواه وحدوده وانعكاساته على القضية الفلسطينية، فلا ينبغي أن يغيب عنهم أمران اثنان: أولهما السؤال عن جدوى المقاطعة والمناهضة طيلة سبعين سنة، في تلبية أبسط حاجيات ومطالب الشعب الفلسطيني. ثانيها من حق المغرب، كما هو حال الدول العربية والإسلامية التي تقيم علاقات مع إسرائيل، أن يدير سياسته الخارجية انطلاقاً من حسابات مصالحه الوطنية، وأن يوظف شبكة علاقاته الدولية بما يخدم أمنه ووحدته الترابية ومصالحه الاقتصادية والتكنولوجية. فالسياسة الخارجية للدول لا تُبنى على المواقف الانفعالية أو على منطق المقاطعة الدائمة، وإنما على القدرة على تحويل العلاقات الدولية إلى أدوات لخدمة المصالح الوطنية والدفاع عن القضايا التي تتبناها الدولة.

تكتسب العلاقات المغربية الإسرائيلية أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب في بعدين رئيسيين:

البعد الأول مرتبط خصوصية قضية الصحراء المغربية. فمنذ استئناف العلاقات سنة 2020، أصبحت العلاقة مع إسرائيل جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات التي يعتمد عليها المغرب في الدفاع عن موقفه بشأن الوحدة الترابية. ولا ينبغي اختزال هذا الأمر في فكرة أن إسرائيل تستطيع، بمفردها، حسم نزاع إقليمي معقد؛ فمواقف الدول الكبرى والمنظمات الدولية وتطور المواقف الأوروبية والأمريكية والإفريقية تظل عناصر أساسية في مسار الملف. لكن وجود علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل يضيف للمغرب قناة اتصال وتأثير أخرى داخل منظومة دولية وإقليمية شديدة التعقيد. ولعل أولى المكاسب: وقوف المغرب ندا للند مع دول الاتحاد الأوروبي وإنهاء ابتزازها له ونهب خيراته لمدة خمسة عقود، تغيير مواقف الدول الأوربية لصالح أطروحة الحكم الذاتي، اعتراف قوى كبرى بالسيادة المغربية على الأقاليم الصحراوية، قرار مجلس الأمن 2797 الذي أقر الحكم الذاتي الإطار الأنجع لحل ملف الصحراء المغربية..

إن المغرب لا يتعامل في علاقاته الدولية بمنطق المحاور المغلقة. فقد حافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الإفريقية والعربية ودول الخليج وآسيا، ووسع في الوقت نفسه علاقاته مع إسرائيل. وهذه السياسة تقوم على تنويع الشركاء بدلاً من وضع المغرب في موقع الارتهان لشريك واحد. ومن هذه الزاوية، فإن فتح السفارات يمثل أداة دبلوماسية إضافية يمكن استخدامها في الدفاع عن المصالح الوطنية، وليس بديلاً عن بقية العلاقات والتحالفات.

أما البعد الثاني فيتصل بالتكنولوجيا العسكرية والصناعات الدفاعية. فقد تطورت العلاقات المغربية الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة من مجرد علاقات سياسية واقتصادية إلى تعاون في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا. فالمغرب، الذي يواجه بيئة إقليمية تتسم بتسارع التسلح وانتشار الطائرات المسيرة والحروب السيبرانية وتطور وسائل الحرب الإلكترونية، يحتاج إلى بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً. والتحدي ليس فقط في امتلاك الأسلحة، وإنما في امتلاك القدرة على صيانتها وتحديثها وتطوير بعض مكوناتها وإنتاج جزء منها محلياً. ومن هذه الزاوية، يمكن للعلاقة مع إسرائيل، إلى جانب العلاقات الدفاعية مع الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها، أن تكون إحدى قنوات نقل التكنولوجيا والخبرة. فقد افتتحت شركة BlueBird الإسرائيلية مصنعاً لإنتاج طائرات «SpyX» ببنسليمان في خطوة غير مسبوقة تجعل المغرب أول دولة في شمال إفريقيا تستضيف منشأة صناعية عسكرية إسرائيلية، مع ما يرافق ذلك من تكوين تقنيين ومهندسين مغاربة وتملك تدريجي لتكنولوجيات حساسة، بما يقلص تبعية المملكة لواردات السلاح ويقصّر سلاسل الإمداد.

ويأتي ذلك ضمن منظومة أوسع: اتفاقيات النشر العملي لمنظومة “باراك إم إكس” للدفاع الجوي، التي طورتها الصناعات الجوية الإسرائيلية، والقادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز والتهديدات الباليستية على مدى يصل إلى 150 كيلومتراً. وقد وصفت وسائل إعلام إسرائيلية هذا النشر بأنه “القبة الحديدية الصحراوية”، مشيرة إلى أن نطاق تغطيته “غيّر موازين القوى في شمال أفريقيا ومضيق جبل طارق بالإضافة إلى نظام Barak 8 ومدفع ATMOS ورادارات وصواريخ EXTRA. أما منظومة الدفاع الجوي التي اقتُنيت سنة 2022 فقد سُلّمت تدريجياً ابتداءً من 2023 قبل أن تبلغ جاهزيتها العملياتية الكاملة مطلع 2026.

من هنا، فكلما ارتفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، ارتفعت معه إمكانية التفاوض حول الاستثمار والبحث العلمي والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية والتكوين ونقل المعرفة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينصب عليها النقاش العمومي: ليس هل توجد علاقة مع إسرائيل أم لا، وإنما ماذا سيحصل عليه المغرب من هذه العلاقة، وكيف سيحولها إلى قيمة مضافة للاقتصاد والأمن والتكنولوجيا؟

ازدواجية المعايير.

يكشف النقاش حول التطبيع والموقف منه عن ازدواجية في المعايير. فبعض الخطابات التي تهاجم المغرب بسبب علاقاته مع إسرائيل تتعامل مع العلاقات التركية الإسرائيلية بمنطق مختلف تماماً. والحال أن تركيا وإسرائيل أقامتا لعقود علاقات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية؛ وكانت العلاقات التجارية بين البلدين قد بلغت نحو 7 مليارات دولار سنة 2023.

المقارنة هنا تكشف مشكلة في الخطاب الذي يجعل مجرد وجود علاقة مع إسرائيل دليلاً على الخيانة أو التخلي عن فلسطين، بينما يتجاهل التاريخ الطويل للعلاقات التركية الإسرائيلية الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. وإذا كان معيار الحكم هو المبدأ، فينبغي تطبيقه على الجميع؛ وإذا كان المعيار هو المصالح الوطنية، فمن حق كل دولة أن تحدد كيفية إدارة علاقاتها الخارجية. والأهم أن العلاقات الدبلوماسية لا تمنع بالضرورة الدفاع عن الحقوق الفلسطينية. بل يمكن، في كثير من الحالات، أن توفر قنوات اتصال لا تتوفر للدول التي قطعت علاقاتها. وهنا تبرز خصوصية التجربة المغربية. ففي مارس 2024 تمكن المغرب من إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة عبر مسار بري مرّ من إسرائيل عبر معبر كرم أبو سالم، وهي عملية وصفتها رويترز بأنها أول استخدام لهذا المسار لإيصال مساعدات مغربية إلى غزة خلال الحرب، وشملت 40 طناً من المساعدات. وتكرر المسار الإنساني في يونيو 2024، عندما أعلنت وزارة الخارجية المغربية إرسال 40 طناً من المنتجات الطبية إلى سكان غزة، بما في ذلك أدوية ومستلزمات لعلاج الحروق والإصابات الجراحية وحالات الطوارئ. وأوضحت الوزارة أن المساعدات سلكت المسار البري نفسه الذي استُخدم في العملية الغذائية السابقة.

وقد سبقت هذه المبادرات الإنسانية مبادرات أخرى. ففي رسالة ملكية موجهة إلى رئيس لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، أكد المغرب أنه أرسل منذ أكتوبر 2023 خمس عمليات مساعدات إنسانية عاجلة إلى غزة، شملت الغذاء والماء والمستلزمات الطبية، وأن آخر عملية اعتمدت جسراً جوياً لنقل ما يقارب 300 طن من المساعدات ثم إيصالها براً عبر مسار غير مسبوق. وتظهر مسألة الوساطة بصورة أوضح في قضية الأموال الفلسطينية المحتجزة (أكثر من ملياري دولار) التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية وفق ترتيبات بروتوكول باريس، والتي تدخل المغرب لدى إسرائيل للإفراج عنها. وهذه الأموال تشكل مورداً أساسياً للسلطة الفلسطينية لدفع رواتب الموظفين.

وتبقى القدس المجال الأكثر وضوحاً في قياس الفرق بين الخطاب والممارسة. فالمغرب يرأس لجنة القدس، بينما تضطلع وكالة بيت مال القدس الشريف بمشروعات اجتماعية وتنموية داخل المدينة. ووفق المعطيات الرسمية المغربية، تجاوز عدد المشاريع التي نفذتها الوكالة منذ تأسيسها 200 مشروع في التعليم والصحة والسكن والترميم، وبلغ مجموع ميزانياتها نحو 80 مليون دولار، فيما ساهم المغرب بنسبة 70% من التمويل المصنف ضمن تبرعات الدول. كما أشارت المعطيات نفسها إلى أن المغرب تولى منذ 2011 تغطية تمويل التبرعات بعد توقف مساهمات دول إسلامية أخرى. وفي حصيلة سنة 2025، أعلنت الوكالة أن المغرب أصبح الممول الوحيد لها، وأن قيمة المشاريع الممولة خلال السنة بلغت 8 ملايين دولار، منها 6.5 ملايين دولار خصصت لمشاريع داخل القدس في مجالات المساعدة الاجتماعية والتنمية البشرية. كما بلغت مشاريع الوكالة خلال النصف الأول من 2025 نحو 2.2 مليون دولار، بينها 384 ألف دولار للمساعدات الإنسانية الموجهة إلى غزة. كما ذكرت الوكالة، في بلاغ، أن 50 طفلا وطفلة يستفيدون من المخيم المنظم بشراكة وتعاون مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الشباب، تحت رعاية الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس. كما سبق أن تكفل الملك محمد السادس بتمويل إعادة بناء “كلية الملك الحسن الثاني للعلوم الزراعية والبيئية” عقب تدميرها في حرب 2008-2009، وافتتحت رسمياً عام 2015.

هذه المعطيات تجعل اختزال السياسة المغربية تجاه فلسطين في كلمة «التطبيع» اختزالاً لا يستوعب الصورة كاملة. فالموقف المغربي يجمع بين الاعتراف بإسرائيل وإقامة العلاقات معها من جهة، والاستمرار في دعم الفلسطينيين والقدس من جهة أخرى. وقد يبدو هذا التعايش متناقضاً لمن ينطلق من قاعدة «إما المقاطعة وإما دعم فلسطين»، لكنه ليس بالضرورة كذلك في منطق العلاقات الدولية؛ إذ يمكن للدولة أن تختلف مع سياسة دولة ما، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقنوات دبلوماسية معها من أجل الدفاع عن مصالحها أو ممارسة التأثير عليها. وحتى المواقف الأكثر تشدداً في العالم العربي لم تنتج دائماً نتائج موازية للشعارات التي رفعتها.

فالمشكلة الفلسطينية لم تُحل بالمقاطعة وحدها، كما أن إقامة العلاقات مع إسرائيل لا تعني تلقائياً التخلي عن الحقوق الفلسطينية. والمعيار الأكثر واقعية هو مقدار ما تستطيع الدولة فعله سياسياً وإنسانياً واقتصادياً لحماية الفلسطينيين والدفع نحو حل سياسي عادل. وهذا ما شدد علي السيد بوريطة، عقب لقاء سبتمبر 2026، “يمكننا مساعدة الفلسطينيين بالطريقة الإنسانية، لأن لدينا هذه العلاقة مع إسرائيل” متسائلا “هل الأفضل أن نبقى في العواصم نطلق التصريحات والمواقف، أم أن نتحرك؟”. الأكيد أن شعارات المناهضة ومواقف المقاطعة لا تطعم جائعا ولا تعالج مريضا أو جريحا

خلاصة القول، إن المناهضين للعلاقة بين المغرب وإسرائيل لا تهمهم إطلاقا لا فلسطين ولا مصالح الوطن العليا، بقدر ما هم أدوات في خدمة أجندات أعداء الوطن (الجزائر، إيران..) والنظام الملكي (عدلاوة ونهجاوة..). لهذا نجدهم يهاجمون المغرب وقد احترفوا التظاهر والاحتجاج حتى وإن تعلق الأمر بتصريح من مسؤول أمريكي، بينما يبلعون ألسنتهم ويصمون آذانهم عن العلاقات بين دول إسلامية وعربية وإفريقية وبين إسرائيل؛ بل إن شعوب تلك الدول لم تتظاهر يوما ضدها كما يفعل كوفيو المغرب.