أوضح تقرير نشرته منظمة العفو الدولية في 30 شتنبر، أن المنظمة أجرت ما بين 10و15 شتنبر المنصرم مهمة ميدانية بمدينة سبتة المحتلة مكنتها من جمع 65 شهادة من مهاجرين وطالبي لجوء ظلوا في سبتة بعد موجة الوصول الجماعي. وشملت الشهادات 31 قاصراً تتراوح أعمارهم بين 13 و17 سنة، و26 امرأة، من بينهن امرأتان حاملتان.
وتتهم المنظمة السلطات الإسبانية، وفق الشهادات التي جمعتها، بارتكاب أو السماح بسلسلة من الممارسات التي تثير مخاوف جدية بشأن احترام حقوق الإنسان، من بينها العنف الجسدي، والطرد الفوري، وترك أطفال ونساء في ظروف قاسية، والحرمان من الغذاء والرعاية الصحية، فضلاً عن التنميط العنصري والمضايقات ذات الطابع العنصري.
من بين أخطر ما تضمنته الشهادات اتهامات باستخدام القوة ضد مهاجرين، بينها إصابات في الرأس يُقال إنها نجمت عن الضرب بالعصي، وضرب شبان كانوا مقيدين، وحالات سقوط من أماكن مرتفعة.
كما تحدثت الشهادات عن حلق رؤوس بعض الأشخاص بالقوة، وإجبار مهاجرين مغاربة على تقبيل الصليب، إضافة إلى الحرمان من الطعام ومضايقات ذات طابع جنسي منسوبة إلى جنود ملثمين خلال الليل. وتضيف المذكرة التحليلية المستندة إلى تقرير منظمة العفو إن هذه الادعاءات، إذا ثبتت، يمكن أن ترقى في بعض الحالات إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.
الطرد والإعادة إلى المغرب
يشكل موضوع الإعادة الفورية إلى المغرب أحد أكثر الملفات حساسية في القضية.
فبحسب المعطيات الواردة في المذكرة، كان من بين الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة طالبو لجوء من اليمن والصومال، دخل بعضهم قبل 30 يوليوز، دون أن يتم تسجيل طلبات لجوئهم أو إجراء تقييم فردي لوضعهم أو لدرجة تعرضهم للخطر. عمليات طرد جماعية عبر سياج تاراخال.
أطفال في الشارع
من أكثر جوانب الوضع إثارة للقلق، وفق التقرير، وضعية القاصرين غير المصحوبين،إذ ظل 2338 طفلا غير مصحوب في الشوارع، وتتحدث الشهادات عن عدم تعيين أوصياء لبعض الأطفال، وإعادة أطفال كانوا يتوجهون إلى مراكز الشرطة، فضلاً عن تعرض بعضهم للعنف من جانب عسكريين وأشخاص آخرين.
وتؤكد المذكرة أن حماية الطفل تفرض على السلطات تحديد هويته، وتأمين إيوائه، وتعيين وصي عليه وتقييم مصلحته الفضلى، معتبرة أن ترك أطفال في سن 12 أو 13 سنة في الشارع، في ظروف تعرضهم للعنف، يثير إشكالات جدية بموجب قواعد حماية الطفل.
النساء في مواجهة ظروف هشة
يضيف تقرير منظمة العفو الدولية أن 800 امرأة ظلت لمدة طويلة في الشارع كما أن البعض منهن كن مصحوبات بأطفالهن، وقد شكلن بدورهن إحدى الفئات الأكثر تعرضاً للتحرش والاعتداءات الجنسية، وقد تم فتح تحقيق رسمي من السلطات الاسبانية بشأن تلك الاعتداءات التي شملت 38 امرأة، و14 طفل قاصر، ورجل واحد. كما اعتبر التقرير أن غياب أماكن آمنة ومرافق صحية ملائمة يمكن أن يزيد من مخاطر تعرض النساء للعنف.
الغذاء والماء والرعاية الصحية
لم تقتصر الانتقادات على المعاملة الأمنية، بل امتدت إلى ظروف الإقامة والوصول إلى الخدمات الأساسية، وتتحدث الشهادات عن توزيع كيس غذائي واحد يومياً في ظروف أمنية مشددة بعد انتظار يتجاوز ثلاث ساعات تحت الشمس، فضلاً عن نقص المياه والاستحمام ومرافق النظافة في عدد من أماكن التجمع.
كما تتحدث المعطيات عن اضطرار مرضى، بينهم قاصرون، إلى الانتظار خارج المستشفى، وعن استخدام عبارات مهينة تجاه بعض المهاجرين، من بينها وصفهم بـ
" الغزاة". وترى المذكرة أن توفير الغذاء الأساسي والماء والمأوى والرعاية الطبية العاجلة يدخل ضمن الحد الأدنى من الحقوق التي لا يمكن تعليقها بسبب الضغط على الموارد أو ارتفاع أعداد الوافدين.
اتهامات بالتمييزالعنصري والإسلاموفوبيا
ومن الملفات التي يوليها التقرير أهمية خاصة مسألة التمييز والتنميط العنصري.
فبحسب الشهادات، مُنع بعض المهاجرين من الوصول إلى وسط المدينة أو المتاجر ومحلات السوبرماركت بسبب لون البشرة أو ارتداء الحجاب، كما تحدث آخرون عن عمليات تفتيش أمنية وصفت بأنها عدوانية.
وتشير المذكرة إلى أن بعض هذه الممارسات لم تطل المهاجرين وحدهم، بل شملت أيضاً أشخاصاً من أصول مغربية يقيمون في سبتة، وهو ما تعتبره مؤشراً يستدعي التحقيق في طبيعة هذه الممارسات ومدى ارتباطها بالعرق أو المظهر أو الدين. كما شملت انتقادات منظمة العفو الدولية التضييق على عمل الصحفيين والمنظمات الإنسانية والمدافعين عن حقوق المهاجرين، وتعرض صحفيين من وسائل إعلام إسبانية لهجمات ومضايقات، من بينها La Sexta وRTVE وeldiario.es
إضافة إلى توقيف ناشطين بعد تصويرهما تدخلاً أمنياً.
مسؤولية الدولة الاسبانية.
تنطلق المذكرة من قاعدة قانونية أساسية مفادها أن الدولة الإسبانية تظل مسؤولة عن احترام حقوق الإنسان في سبتة باعتبارها تمارس سلطة فعلية على الأقل.
وتؤكد أن هذه المسؤولية لا تقتصر على امتناع السلطات عن ارتكاب الانتهاكات، بل تشمل أيضاً واجب حماية الأشخاص، ومنع الانتهاكات، والتحقيق فيها عندما تقع.
وبناء على ذلك، ترى المذكرة أن ضغط الأعداد، وصعوبة الوضع الأمني، والجدل المرتبط بالسيادة على الحدود، أو توزيع الاختصاصات بين المؤسسات الإسبانية، لا يمكن أن يشكل، في حد ذاته، مبرراً للتخلي عن الحقوق الأساسية.
وتقترح المذكرة، في إجراءاتها العاجلة، فتح تحقيقات مدنية ومستقلة وعلنية بشأن ادعاءات العنف، مع تحديد هوية العناصر الأمنية المعنية، وإنهاء أي طرد دون فحص فردي، وتسجيل طلبات اللجوء، كما تدعو إلى ضمان إيواء جميع القاصرين والأسر في أماكن آمنة، وتوفير الغذاء والرعاية الطبية بعيداً عن أي تحكم أمني تعسفي، وحماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
أما على المدى البعيد، تدعو المذكرة إلى مراجعة نظام «الإعادة عند الحدود»، وتطبيق إجراءات فحص وتقييم فردي للهشاشة، وفتح المجال أمام المنظمات المستقلة والهيئات الحقوقية الدولية لمراقبة الوضع، إضافة إلى تدريب القوات المكلفة بالتعامل مع المهاجرين على قواعد حقوق الإنسان.






