فن وإعلام

جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء: جامعة غائبة عن خريطة العلم ورئيسها ونائبه في البحث العلمي بلا أثر والانشغال بالسفريات الانتقائية لمن سيرافقهم خارج المملكة باسم الشراكة والتعاون

كفى بريس (مراسلة)

تخوض الجامعة العمومية المغربية اليوم واحدة من تحولاتها البنيوية؛ تحوّلٌ يغلّفه شعار "الملاءمة وتطوير المهارات"، لكن حقيقته الصادمة تكشف عن اتجاه متسارع نحو "تسليع المعرفة". 

 

النموذج الأبرز لهذا التحول هو جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أكبر جامعات المملكة من حيث عدد الطلبة، والتي يقودها ارئيس منتدى رؤساء الجامعات بالمغرب، والذي دافع علناً عن مشروعية هذا النظام. لكن أحدث بيانات التصنيفات العالمية لسنة 2026، إلى جانب معطى رقمي لافت يتعلق بغياب أي أثر علمي موثّق لرئيس الجامعة في قواعد البيانات الدولية، تطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى هذه الجباية المالية في ظل تراجع جودة التكوين والنزاهة العلمية بالمؤسسة.

 

هذا التحول يضع الجامعة المغربية أيضاً في صدام مباشر مع التزاماتها الدولية أمام منظمة العمل الدولية، ومع منظومتها التشريعية الداخلية ذاتها التي تكرّس التكوين المستمر كحق يضمنه المشغّل لا كخدمة تُباع للأجير.

 

---

 

 1. الخطيئة الفلسفية: من "أنسنة" إعلان فيلادلفيا إلى "تسليع" التوقيت الميسر

 

منذ عام 1944، وضع إعلان فيلادلفيا التاريخي (الدستور الفلسفي لمنظمة العمل الدولية) قاعدة بشرية صارمة: "العمل ليس سلعة". هذا الإعلان شدد على أن تطوير مهارات العامل هو حق لصيق بكرامته الإنسانية وليس أداة استثمارية تجارية، وتوّج هذا المسار إعلان مئوية منظمة العمل الدولية (2019)، الذي أقرّ صراحة بأن التعلم مدى الحياة حق أساسي للعمال تفرضه تحديات الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.

 

المفارقة بجامعة الحسن الثاني الصادمة تكمن في تحوير هذا الحق الكوني. فبدل أن تُيسّر الجامعة المساطر للأجراء والموظفين لرفع كفاءتهم المهنية، تحوّل "التوقيت الميسر" إلى "بقرة حلوب" لتمويل عجز ميزانيات الجامعات، وتتحول الجامعة العمومية من مصعد اجتماعي إلى "مصفاة طبقية".

 

---

 

 2. الأرقام لا تكذب: جامعة في ذيل التصنيفات العالمية لسنة 2026

 

تتحجج وزارة التعليم العالي، عبر ندوة رؤساء الجامعات، بأن فرض هذه الرسوم آلية ضرورية لتجويد العرض البيداغوجي وتطوير البحث العلمي. لكن الواقع العنيد لأحدث التقارير والتصنيفات الدولية الصادرة سنة 2026 يدحض هذه السردية الرسمية بالكامل.

 

 الركود في ذيل تصنيف شنغهاي (ARWU 2026)

الإصدار 2026 من التصنيف الأكاديمي للجامعات العالمية (ARWU)، الصادر في غشت 2026، يضع جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ضمن الفئة 901-1000 عالمياً، وهي نفس الخانة التي تحتلها الجامعة للسنة الثالثة على التوالي منذ ظهورها لأول مرة في التصنيف سنة 2024. صحيح أن الجامعة رافقتها هذه السنة جامعة محمد السادس متعددة التقنيات (UM6P) في نفس النطاق، إلا أن استمرار "الحسن الثاني" في الشريحة الدنيا من قائمة الألف الأولى لثلاث سنوات متتالية يعكس حالة ركود أكثر مما يعكس أي تقدم نوعي، خصوصاً أن التصنيف يقيّم أكثر من 2.500 جامعة حول العالم استناداً إلى مؤشرات صارمة كجوائز نوبل وميدالية فيلدز، والنشر في مجلتي Nature وScience، والباحثين الأكثر استشهاداً بهم عالمياً.

 

 الهبوط في تصنيف تايمز (THE World University Rankings 2026)

تؤكد بيانات موقع Times Higher Education الرسمي أن جامعة الحسن الثاني تُصنَّف في خانة "+1501" ضمن تصنيف تايمز العالمي لسنة 2026، أي خارج أول 1500 جامعة في العالم. وتتراجع الجامعة أكثر في التصنيفات الفرعية بحسب التخصص: خانة "+1001" في كل من الأعمال والاقتصاد والعلوم الطبية والصحية، ولا تتجاوز الشريحة 801-1000 في الهندسة والعلوم الحاسوبية والعلوم الاجتماعية.

 

 "القائمة الحمراء" لمؤشر النزاهة البحثية (RI² Index)

مؤشر مخاطر النزاهة البحثية (Research Integrity Risk Index)، الذي طوّره الباحث لقمان محّو بالجامعة الأمريكية في بيروت واعتُمد في نسخته الموسّعة لسنة 2026، صنّف جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ضمن خانة "المخاطر المرتفعة" (High Risk)، إلى جانب جامعات سيدي محمد بن عبد الله، والسلطان مولاي سليمان، وابن زهر. ويقيس هذا المؤشر معدلات النشر في مجلات استُبعدت لاحقاً من قواعد البيانات العالمية الكبرى، ومعدلات سحب المقالات العلمية (Retractions)، والاستشهاد بأبحاث سبق سحبها.

 

**السؤال النقدي المركزي**: كيف يُعقل أن تفرض الجامعة على طالب الدكتوراه الأجير رسماً سنوياً يصل إلى 20.000 درهم بحجة تمويل البحث العلمي، في حين يُصنَّف قطاع البحث العلمي بالجامعة نفسها دولياً ضمن خانة "المخاطر المرتفعة" لغياب النزاهة؟

 

---

 

3. القيادة العلمية الغائبة: سؤال المشروعية الأكاديمية

 

في مفارقة تُعمّق أزمة المصداقية العلمية للجامعة، يكشف البحث في قاعدة AD Scientific Index العالمية — التي ترصد مؤشر h-index، المعيار الأكثر اعتماداً دولياً لقياس الأثر العلمي للباحث عبر عدد منشوراته واستشهاداتها — عن غياب أي ملف علمي موثّق باسم رئيس جامعة الحسن الثاني ورئيس منتدى رؤساء الجامعات بالمغرب، والذي دافع علناً عن نظام "التوقيت الميسر" المؤدى عنه.

 

هذا الغياب يبرز بشكل لافت حين يُقارَن بحضور عدد من أساتذة الجامعة نفسها ضمن القاعدة ذاتها بملفات موثقة ومؤشرات استشهاد واضحة، والذي يظهرون بمؤشر h-index موثّق ومرتبة محددة .

 

وتكمن خطورة هذه المفارقة في أن الجهة المنوط بها الدفاع عن جدوى الرسوم المفروضة على الأجراء بذريعة "تجويد البحث العلمي" وتحسين مكانة الجامعة في التصنيفات الدولية، تفتقر هي نفسها، على مستوى قيادتها العليا، إلى أي حضور رقمي موثّق في إحدى أبرز القواعد العالمية المعتمدة لقياس الإنتاجية والتأثير العلمي. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: هل تُبنى قرارات تمويل البحث العلمي وحوكمته على معايير الاستحقاق العلمي، أم على اعتبارات إدارية بحتة بعيدة عن المنطق الأكاديمي الذي يُفترض أن يحكم قيادة مؤسسة جامعية؟

 

---

 

4. الترسانة القانونية المغربية: بين "حق مضمون" و"رسم مفروض"

 

المفارقة التي يكشفها ملف "التوقيت الميسر" لا تصطدم فقط بالفلسفة الأممية لمنظمة العمل الدولية، بل تتناقض جوهرياً مع منظومة تشريعية مغربية داخلية متكاملة تُقر بالتكوين المستمر كـ"حق" يتحمل الطرف المشغّل كلفته.

 

 أ. القطاع العام: التكوين كمسؤولية إدارية لا عبء مالي على الموظف

سعت الإدارة المغربية منذ الاستقلال إلى بناء إطار قانوني ومؤسساتي لتكوين موظفي الوظيفة العمومية، باعتبار تأهيل الرأس المال البشري بالإدارة "ضرورة آنية" و"مطلباً ملحاً" لكسب رهانات التنمية. وعملياً، يمكن أن يُعيَّن الموظفون لمتابعة تكوين مستمر يُتوَّج بدبلوم أو شهادة، بقرار من رئيس إدارتهم، دون أن يتحمل الموظف كلفة هذا التكوين شخصياً. الموظف العمومي في القطاعات الوزارية الأخرى يستفيد إذن من التكوين بتكليف إداري، بينما يُطالَب الأجير الذي يلج الجامعة عبر "التوقيت الميسر" بتمويل تكوينه من جيبه الخاص.

 

 ب. القطاع الخاص: القانون 60.17 يُكرّس التكوين كحق يضمنه المشغّل

في القطاع الخاص، حسم المشرّع الجدل عبر القانون رقم 60.17 المتعلق بتنظيم التكوين المستمر لفائدة أجراء القطاع الخاص، الصادر بتاريخ 5 أكتوبر 2018. وفلسفة هذا القانون واضحة: تكريس التكوين المستمر كحق يضمنه المشغّل لفائدة الأجير من أجل تحسين تنافسية المقاولات، مع اعتماد مبدأ "التدبير الثلاثي" الذي يُشرك الدولة والمشغّلين والنقابات في تمويله وحكامته. فحتى في القطاع الخاص، حيث منطق الربح هو الأصل، لم يُقبل مبدأ إلقاء عبء التكوين على الأجير نفسه.

 

ج. الإطار الدولي: مواثيق منظمة العمل الدولية

اتفاقية تنمية الموارد البشرية لمنظمة العمل الدولية (رقم 142) وتوصياتها اللاحقة تُلزم الدول الأعضاء بوضع سياسات تشجع على التكوين المستمر كاستثمار مجتمعي مشترك، لا كخدمة استهلاكية فردية — وهو نفس المنطق الذي استند إليه المشرّع المغربي في القانون 60.17.

 

 د. دستور 2011: الفصل 31 كسقف حقوقي يُخترق

يُلزم الفصل 31 من دستور 2011 الدولة والمؤسسات العمومية بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين، على قدم المساواة، من حقوق أساسية من بينها الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، والتكوين المهني. وتنص ديباجة الدستور على سمو الاتفاقيات الدولية المصادَق عليها على التشريعات الوطنية، مع إلزام الدولة بملاءمة تشريعاتها معها. فحين يُقرأ "ولوج التعليم الميسر" في الفصل 31 مقترناً بالمادة 81 من القانون الجديد للتعليم العالي ، التي تجعل من "التوقيت الميسر" خدمة مؤدى عنها بمبالغ تصل إلى 20.000 درهم، يتضح حجم التصادم بين النص الدستوري الأسمى وبين الممارسة الإدارية.

 

---

 

 5. مقارنة دولية: أين يذهب المال؟

 

| المنطقة / الدولة | طريقة تمويل دراسة الأجراء والموظفين | تصنيف الجودة والنزاهة لسنة 2026 | الفلسفة الحاكمة |

|---|---|---|---|

| **المغرب (جامعة الحسن الثاني)** | أداء مباشر من جيوب الأجراء (5.000 - 20.000 درهم) بموجب المادة 81 | متدنٍ (شنغهاي 901-1000، تايمز +1501) ومخاطر مرتفعة لغياب النزاهة البحثية (RI²) | جبائية سلعية: تحويل المرتفق إلى زبون لتمويل عجز ميزانية الجامعة |

| **الأنظمة الغربية (فرنسا / النموذج الإسكندنافي)** | تمويل ثلاثي مجتمعي: صناديق مهنية مدعومة من الشركات والدولة، الأجير يدرس مجاناً | مرتفع جداً (تواجد دائم في توب 100 عالمياً) | استثمار اجتماعي: تطوير كفاءة العامل لرفع الإنتاجية القومية |

| **الأنظمة الأفرو-آسيوية (سنغافورة / رواندا)** | حسابات مهارات مدعومة حكومياً: تغطي الدولة 70% إلى 90% من كلفة التعليم المستمر | طفرة نوعية في جودة البحوث والابتكار | رأس مال بشري كثروة: التعليم المستمر محرك أساسي لنمو الاقتصاد القومي |

 

---

 

6. خلاصات

 

إن استمرار النموذج الحالي للتوقيت الميسر في حواضر كبرى كالدار البيضاء يهدد السلم الاجتماعي، ويُفرغ مفهوم "التعلم مدى الحياة" من حمولته الحقوقية ليحوّله إلى قطاع تجاري استهلاكي. والمقارنة بين الأطر الثلاثة الوطنية — الوظيفة العمومية (تكوين بتكليف إداري بلا كلفة)، القطاع الخاص (تكوين بضمانة المشغّل بموجب القانون 60.17)، والمنظومة الجامعية (تكوين بأداء مباشر من جيب الأجير) — تكشف أن الجامعة العمومية المغربية تشذّ عن منطقها التشريعي الوطني نفسه، قبل أن تخالف المرجعية الأممية.

 

### توصيات

1. فصل الاستقلال المالي للجامعة عن جيوب الموظفين والأجراء.

2. إقرار صناديق تمويل التعليم والتكوين المستمر مدى الحياة. 

3. الربط الصارم بين المداخيل والحوكمة العلمية، وإنقاذ سمعة الجامعة عبر تفعيل لجان الأخلاقيات والمراقبة.

4. اشتراط حد أدنى من الحضور العلمي الموثّق (منشورات، مؤشرات استشهاد) في معايير التعيين على رأس مؤسسات البحث الجامعي، تماشياً مع خطاب "الجودة" الذي تتبناه الجامعة نفسها.

 

---

*هذا التحقيق يستند إلى بيانات تصنيفات شنغهاي (ARWU) وتايمز للتعليم العالي (THE) لسنة 2026، ومؤشر مخاطر النزاهة البحثية (RI²) لسنة 2026، وقاعدة AD Scientific Index، إضافة إلى النصوص التشريعية والدستورية المغربية الجاري بها العمل والمواثيق الدولية الخاصة بمنظمة العمل الدولية.

https://juritheque.com/loi/loi-60-17-organisation-formation-continue-profit-salaries-secteur-prive-certaines-2018

https://adscientificindex.com/h-index-ranking?ads_search_ui=facet&ft_search=H.+Azeddoug&ft_search_type=name&=0&ft_mode=natural

https://www.facebook.com/share/1C99TbgvHx/

https://www.facebook.com/share/1N1wPLyBGL/