نشرت يومه الأحد فاتح نوفمبر وكالة الأنباء الجزائرية مقالا تضليليا مثيرا للضحك، تدعي فيه بـثقة كبيرة أن المغرب قد "استنسخ" التجربة الجزائرية العظيمة، مستهزئة بدعوة البرلمان المغربي لعقد جلسة مشتركة بين غرفتيه، وزاعمة أن نظام الاجتماع المشترك للغرفتين البرلمانيتين اختراع مسجل حصريا باسم ديمقراطيتهم الفريدة، التي ألهمت العالم بأسره حين اجتمع برلمانهم مؤخرا ليقرر إرسال أفراد من الجيش الجزائري إلى النيجر.
ولعلّ ذروة الكوميديا والفكاهة السخيفة تتلخص في تلك المفارقة الإعجازية التي تتهم فيها الوكالة المغرب علنا باستنساخ نظام الثنائية البرلمانية وجلساته المشتركة، بينما هذا النظام كان المغرب قد صاغه وطبقه في دستوره لعام 1962.
وهكذا، وحسب هذا المنطق الفكاهي الخارق للوكالة، فإن المغرب قد استخدم "آلة السفر عبر الزمن" ليعود إلى الستينيات ويستنسخ نظاما جزائريا لم تكتشفه الجزائر نفسها ولم تضعه في دستورها إلا عام 1996.
إنها تهمة مضحكة وادعاء طريف، من خلالهما أصبحنا نعلم لأول مرة في حياتنا أن المغرب استنسخ من الجيران ما لم يكن موجودا لديهم أصلا، في وقت كانوا فيه غارقين في تلمس خطواتهم الأولى بعد الاستقلال.
ولأن الله خلق وكالة الأنباء الجزائرية كي تضحكنا، ولأن الجهل بالتاريخ والدستور قد يصل أحيانا إلى مصاف "السيتكومات الرديئة"، دعونا نوضح لهذه الوكالة التي يتحكم فيها حمقى مخبولون، وفق الحقائق التاريخية الموثقة التي يكفي لأي متخلف جاهل في هذه الوكالة أن يجدها في البوابة الخاصة بأرشيف الدساتير المغربية، أن المملكة المغربية سبقت الجمهورية الجزائرية في اعتماد نظام الثنائية البرلمانية، أي برلمان بغرفتين، بنحو أربعة عقود.
فمنذ ديسمبر 1962، صوت المغرب على أول دستور له ينص على برلمان يتألف من مجلس النواب (غرفة أولى) ومجلس المستشارين (غرفة ثانية).
وفي ذلك التاريخ، كانت الجزائر تعتمد نظام الغرفة الواحدة. بل والأدهى من ذلك، أنها كانت تعيش أسابيعها الأولى من الاستقلال الذي منحته إياها فرنسا بمقتضى استفتاء يشترط ضرورة الإبقاء على التعاون مع باريس.
فمن الذي قلد الآخر إذن؟
ورغم أن التجربة الدستورية المغربية لبرلمان بغرفتين، توقفت لاحقاً في دساتير 1970 و1972 بالعودة مؤقتا إلى نظام الغرفة الواحدة، إلا أن المغرب أعاد إحياء نظام الغرفتين بشكل دائم ومستقر عبر استفتاء دستوري شعبي جرى في 13 سبتمبر 1996.
وفي المقابل، لم تتبنّ الجزائر النظام البرلماني بغرفتين، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، إلا في 28 نوفمبر 1996. أي بعد أن رأته مطبقا في المغرب بقرابة شهرين ونصف في نفس العام، مما يجعل "الاستنساخ" ماركة مسجلة في الاتجاه المعاكس تماما.
أما عن تباكي الوكالة على الاجتماع المشترك للغرفتين في المغرب، فالواضح أن محرريها لم يقرؤوا كيف جسّد البرلمان المغربي بمجلسيه هذا التلاحم الدستوري والسياسي في محطات تاريخية طارئة للتداول في قضايا الوحدة الترابية للمملكة، ولم يكن ينتظر "إلهام النيجر" ليجتمع.
ففي أبريل 2014 عُقدت جلسة مشتركة طارئة لمواجهة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء المغربية، والتعبير عن الرفض الوطني القاطع لمحاولات توسيع صلاحيات بعثة "المينورسو".
وفي أكتوبر 2018 التأمت الغرفتان في اجتماع استثنائي مشترك للرد الصارم على استفزازات مرتزقة البوليساريو في منطقتي تيفاريتي وبير لحلو العازلتين.
ولكي نزداد ضحكا على هذه المهزلة التي ألفتها الوكالة الجزائرية، فإن التحليل القانوني المقارن لصلاحيات الغرفتين يفضح مقالها الفارغ الغبي، إذ من حيث التمثيلية، فإن مجلس المستشارين المغربي، بموجب الفصل 63 من الدستور، هو غرفة منتخبة بالكامل تمثل الجماعات الترابية، الغرف المهنية، والنقابات. بينما يظل "مجلس الأمة" الجزائرى، الذي يمثل الغرفة الثانية، خاضعا لمنطق التعيين الرئاسي المباشر، حيث يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضائه وفق هواه واستيهاماته، ليضمن الولاء التام.
ومن حيث الصلاحيات، يتمتع مجلس المستشارين المغربي بصلاحيات واسعة تشمل المبادرة التشريعية ومساءلة الحكومة عبر ملتمسات خاصة ولجان تقصي الحقائق. في حين صُمم مجلس الأمة الجزائري لكي يكون غرفة حجر صحي للقوانين. لا يبادر بالتشريع ولا يعدل النصوص، بل تنحصر مهمته في دور الغرفة التي تبصم وتوافق على ما يمرر إليها، لمنع أي مفاجآت تشريعية قد تزعج السلطة العسكرية التي تحكم البلد.
وهكذا، ينضح أن قصاصة وكالة الأنباء الجزائرية ليست سوى محاولة بائسة للتخفيق من صدمة الواقع الجديد الذي فرضه تصويت أعضاء مجلس الأمن يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026 حول الصحراء المغربية، والذي ترتب عنه إنهاء مهام المينورسو، في إطار مفاجأة لم يحسب لها أي حساب نظام الجيران الغبي، الذي سيظل يبكي ويصرخ وينبح ويعوي، لتصدير أزمته الدبلوماسية.
وإن النصر يعطيه الله لمن يشاء.
وهذا ما كان






