ما لاحظناه من مستوى النقاش داخل قبة البرلمان خلال مناقشة التصريح الحكومي، وجدنا له امتدادا واضحا في النقاش الذي دار ببرنامج "للحديث بقية" الذي تبثه القناة الأولى... فقد كان الاختلاف في طريقة تناول القضايا، ومستوى التحضير، وطبيعة الحجج والمعطيات المستعملة، لافتاً للانتباه...
وبصراحة، فقد بدا مصطفى الخلفي، من خلال مداخلته، نموذجا للسياسي الذي لا يكتفي بالحضور أمام الكاميرا، ولا يعوّل على قوة الخطابة وارتفاع نبرة الصوت، وإنما يستند إلى معرفة بالملفات، واستحضار للمعطيات، وقدرة على تفكيك القضايا ومناقشتها بلغة الأرقام والحجج... وهو ما جعل المقارنة بين أساليب المشاركين في النقاش أمرا يصعب تجاهله...
والأمر نفسه يمكن ملاحظته عند تتبع مداخلات عدد من قيادات ونواب حزب العدالة والتنمية، من قبيل الأزمي وبوانو وآمنة ماء العينين والخلفي وحيكر وآخرين، سواء خلال مناقشة التصريح الحكومي أو في محطات سياسية أخرى... إذ يبرز في تدخلاتهم اهتمام بالتفاصيل، وإلمام بمسارات السياسات العمومية، وتتبع للبرامج الحكومية، فضلا عن القدرة على استحضار المقترحات والبدائل ومناقشة الاختيارات الحكومية انطلاقاً من معطيات ملموسة...
وهنا من حقنا ان نطرح تساؤلا يتجاوز حدود الاختلاف الحزبي... كيف تُصنع الكفاءات السياسية؟ وهل يكفي أن يمتلك الحزب قاعدة انتخابية واسعة أو حضورا إعلاميا قويا حتى يكون قادرا على إنتاج نخب سياسية مؤهلة لمناقشة قضايا الدولة وتدبير الشأن العام؟؟؟
يبدو أن أحد الدروس التي تستحق التأمل هو أن العمل الحزبي الحقيقي لا يبدأ عند توزيع التزكيات، ولا ينتهي عند الوصول إلى قبة البرلمان، بل يبدأ من إعداد الإنسان سياسيا وفكريا، وتكوينه في مجالات الاقتصاد والمالية والقانون والسياسات العمومية، وتعويده على البحث والتحليل ومساءلة الأرقام والبرامج...
ولعل ما نحتاجه اليوم ليس فقط برلمانا تتعدد فيه الأصوات، وإنما برلمانا تتنافس فيه الأفكار والكفاءات، وتُقاس فيه قيمة النائب بقدر ما يضيفه للنقاش العام، لا بعدد المرات التي يظهر فيها على الشاشة أو بعلو صوته تحت القبة...
فالأوطان لا تحتاج إلى سياسيين يجيدون الكلام عن المشاكل بقدر ما تحتاج إلى سياسيين يعرفون تفاصيلها، ويمتلكون أدوات فهمها، والقدرة على اقتراح حلول لها...






