يحكى أن وليا صالحا حباه الله بكرامات جليلة، دعاه رجلان لتناول وجبة العشاء في نفس اليوم والتوقيت، رغم أن المسافة التي تفصل بينهما شاسعة للغاية. ومن عظيم كرامات هذا الولي أنه لبى دعوة الرجلين وحضر مأدبتيهما في آن واحد، متحديا بعد المسافات ومحطما قيود الزمان والمكان، سواء عبر كرامة التجسد أو الحلول أو بقرين مسخر له، ليبقى الأمر في النهاية سرا من أسرار الإعجاز.
هذا السر الإعجازي هو بالضبط ما يحتاجه اليوم الوزير المعين حديثا نبيل بنعبد الله لكي يقف على الحقيقة المجردة لقطاعه، ولكي يرى ما لا ترصده كاميرات الإعلام ولا تقارير العام زين.
يحتاج إلى قدرة خارقة تمكنه من الحلول في كل الفصول الدراسية بالمملكة، والجلوس في الطاولات الخلفية لكل المؤسسات التعليمية من طنجة إلى الكويرة. وحينها فقط، سيكتشف واقعا مريرا يندى له الجبين.
لو حل الوزير ببركته في قسم ثانوي تأهيلي، لوجد نفسه أمام وجع عميق لأستاذ غيور يصارع طواحين اللامبالاة. أستاذ يبذل الغالي والنفيس داخل الفصل وخارجه، أملا في إيصال فكرة أو غرس قيمة، ليرتطم برغبة منعدمة وأجيال تبحث عن نجاح وهمي يعتمد حصرا على أساليب الغش. رؤوس غارقة في سبات عميق، وعقول غائبة تماما عن استيعاب اللحظة، عقول قد تعرضت لتدمير ممنهج وناجح.
يفرض هذا المشهد المقلق تساؤلات آنية حول مصير شغف التعلم الذي تبخر فجأة. تلاشت الرغبة في الاكتشاف، وتحولت اهتمامات التلميذات نحو عوالم منصات التواصل وهوس التجميل المبالغ فيه، بينما انحصر سقف طموح الذكور في امتلاك دراجات نارية صاخبة ومعدلة، وأحذية وحقائب يدوية بأسماء محددة، وقصات شعر غير مألوفة، وهواتف ذكية لالتقاط الصور. هكذا يجد الأستاذ نفسه وحيدا في مواجهة أربعين تلميذا فقدوا بوصلة الطموح، ما يدفعه مكرها لتسطير تقارير تأديبية في شهر واحد تفوق ما دونه طيلة عقد من الزمن، أمام نماذج بشرية لم يألفها القطاع التربوي من قبل.
يتمدد هذا الوضع ليشمل كل المواد وكل الأسلاك التعليمية بلا استثناء. ولو تسنى للوزير أن يمتطي صهوة البراق، ويجول في الأعماق والآفاق، لاكتشف مشاهد أكثر عجبا! بنية تحتية متهالكة تتداعى جدرانها، ومدارس مشرعة الأبواب بلا حراسة ولا نظافة، وأخرى تعتمد على حراس ومنظفات دون أجر. مشاكل متشعبة ومستعصية تراكمت لسنوات، لتشكل جبلا من التحديات التي لا تقبل التأجيل ولا التماطل.
بعد أن ينهي الوزير جولته، وينزل من براقه، ويعود لمكتبه بباب رواح باحثا عن مخرج، لن يجد أمامه سوى مشروع الريادة ليبرر به مشروعية الإدارة. مخطط يبدو جليا أنه لم يصمم لمعالجة الخلل البنيوي العميق، بل ليمنح المسؤولين واجهة لامعة يمكن تسويقها للداخل والخارج، والترويج لنجاحات على الورق والتأكيد على أن الأمور تسير على أحسن ما يرام. حتى البرنامج الحكومي اختزل أزمات القطاع في هذا المشروع الوحيد، متجاهلا كل هذا النزيف اليومي السطحي والعميق. فإذا كان هذا هو الحل السحري المقترح، فعن أي تعليم يتحدثون، وبالأجيال ماذا هم فاعلون؟






