رأي

برعلا زكريا: لماذا تطفو أمستردام وتغرق دار الكداري والمكرن؟

يربط الناس اسم هولندا بصور المراعي الخضراء الممتدة وقطعان الأبقار الحلوب وأجود أنواع الجبن الأصفر، لكن القليل من يدرك أن تلك الجنة الأوروبية ليست سوى حفرة جيولوجية عميقة تقع تحت مستوى سطح البحر، وكان من المفترض وفق قوانين الطبيعة أن تكون اليوم مجرد قاع محيط مالح تعيش فيه الأسماك لا البشر، الهولنديون لم يقبلوا هذا الحكم الجغرافي ، بل حولوا بلادهم إلى قلعة محصنة ضد المياه، وشيدوا منظومة هندسية مرعبة من السدود والمضخات التي تفرض سيادتها على الماء وتطرد الفائض قسرا نحو البحر.

هذا النموذج البشري في قهر الطبيعة هو المرآة العاكسة التي تفضح هشاشة الوضع في المغرب، فسهل الغرب ليس سوى نسخة طبق الأصل من هولندا في الجغرافيا والتضاريس، أرض منبسطة حد الاستواء وتربة طينية ثقيلة وموقع يجمع مياه الجبال، لكنه نقيضها التام في التجهيز.

 غرب المغرب هو هولندا التي جردوها من التكنولوجيا وتركوها عارية تواجه قوانين الفيزياء بصدر مكشوف، حيث يقف المواطن في سيدي سليمان وسيدي قاسم والمكرن ينتظر رحمة الجاذبية الأرضية التي تعجز وحدها عن تصريف الطوفان في أرض بلا انحدار.

المشهد الحالي لا يحتاج لعلماء لتفسيره بل لقراءة تقنية بسيطة، فحين تمتلئ حقينة سد الوحدة عن آخرها يصبح تفريغ المياه عبر وادي ورغة ضرورة تقنية لحماية السد من الانهيار، تندفع هذه الكتل المائية بصبيب هائل وسرعة جنونية منحدرة من الجبال لتصطدم فجأة عند مشرع بلقصيري بطوبوغرافيا سهل الغرب المنبسطة جدا، وهنا تقع الكارثة الفيزيائية، إذ تفقد المياه سرعتها بسبب غياب الانحدار وتتوقف عن الجريان الطولي لتبدأ في الانتشار العرضي، فتتحول الحقول والدواوير إلى خزانات مفتوحة تستقبل الفائض المائي، وتزيد طبيعة التربة الطينية (التيرس) من تعقيد الوضع، إذ تغلق مسام الأرض وتمنع تسرب الماء للجوف، فيبقى راكدا فوق السطح لأسابيع طويلة.

الفارق الموجع بين أمستردام وسيدي سليمان يكمن في فلسفة التعامل مع الخطر، فالهولنديون لا ينتظرون الشمس لتجفف الأرض بل يستخدمون مضخات عملاقة تشفط المياه ميكانيكيا، بينما تعتمد الهندسة المائية في الغرب المغربي على قنوات ري وصرف متهالكة صممت أساسا لخدمة الزراعات التسويقية كقصب السكر والحوامض لا لحماية البشر، فالبنية التحتية المتوفرة تعمل بنظام الجاذبية الذي يتعطل كليا حين يستوي منسوب الوادي مع الأرض، مما يكشف عن خلل بنيوي في التخطيط جعل الأولوية لسلامة المنتوج الفلاحي الموجه للتصدير على حساب سلامة المواطن الذي يجد نفسه مجبرا على دفع ضريبة التغيرات المناخية من أمنه واستقراره.

والناظر لأحوال الغرب يرى أن الفيضانات الموسمية ليست أكبر همومه، بل هي مجرد كاشف لواقع اجتماعي متهالك ينخر جسد المنطقة طوال السنة، فالهشاشة هنا ليست ظرفية مرتبطة بالمطر بل هي بنيوية متجذرة، حيث تعاني المنطقة من نزيف بشري صامت يتمثل في بطالة قاتلة تدفع الشباب نحو قوارب الموت أو السقوط في مستنقع المخدرات والإدمان الذي يفتك بالأسر ويفكك روابطها، فالماء حين يحاصر الدواوير لا يصنع البؤس بل يفضحه، ويكشف عورة التنمية في منطقة تعيش مفارقة حادة بين ثراء تربتها التي تطعم المغرب، وبين فقر سكانها الذين لا ينالون من تلك الثروة سوى الشقاء والتهميش.

تدبير أزمة الغرب لا يتطلب مساعدات غذائية موسمية أو حلولا ترقيعية لحظية، بل يستوجب قرارا سياسيا يعيد النظر في وظيفة المجال، فاستنساخ التجربة الهولندية ليس مستحيلا من الناحية التقنية، لكنه يتطلب تحويل الاستثمارات من المظاهر والواجهات إلى البنية التحتية العميقة التي تحفظ كرامة الإنسان، فاستمرار التعامل مع فيضانات الغرب كقدر محتوم هو تنصل صريح من المسؤولية، وتكريس لعقلية ترى في المغرب النافع حقولا ومصانع، وفي المغرب غير النافع بشرا فائضا عن الحاجة يمكن تعويض خسائرهم ببعض الأغطية والبلاغات الإدارية.