تستأثر حاليا قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين الذي يوصف ببطل شبكة الجرائم الجنسية، باهتمام واسع من لدن الرأي العام العالمي، فاق الأخبار الحرب الروسية الأكرانية، والهجوم على ايران وتداعيات الحرب على غزة، التي أضحت تحتل في نشرات وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مراكز ثانوية.
هذه القضية أعيد طرحها من جديد، بعد نشر أزيد من ثلاثة ( 3 ) ملايين صفحة من الوثائق ومقاطع الفيديو وقوائم الرحلات وسجلات السفر من وإلى جزيرة إبستين في 30 يناير الماضي. وقالت السلطات الأمريكية، أن نشر ملفات إبستين تندرج في إطار تنفيذ "قانون الشفافية "، وتهدف إلى تسليط الضوء على العلاقات التي نسجها بطل هذه الشبكة، مع سياسيين ونخب اقتصادية وثقافية وفنية ورياضية. لكن هذه المبادرة الأمريكية كان لها تأثير كبير على وضعية الأشخاص التي وردت أسمائهم في هذه الوثائق وتضمنتها المراسلات وأساءت لصورتهم أمام الرأي العام.
الحقيقة الكاملة
وعلى الرغم من هذا الكم الهائل من الوثائق والمعطيات والمعلومات التي أعلن بأنها تشكل دفعة أولى وستلوها أخرى، فإنها لم تكشف عن الحقيقة الكاملة لحد الآن، بقدر ما ساهمت حسب مراقبين في " خلق فوضى ولغطا سياسيا وإعلاميا عارما ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في مختلف أنحاء العالم، وهو ما جعل وسائل إعلام تذهب للقول، بأن هذه الكمية من البيانات، وإن كانت تثير شبهات، فإنها تشكل " نوعا من الشفافية المزيفة".
غير أن هناك من يرى بالمقابل بأن من بين تداعيات هذه الوضعية الإجهاز على حقوق الضحايا الحقيقيين وضياعها وسط ملايين البيانات، التي " قد تستخدم بشكل انتقائي لخدمة أجندات مختلفة، تتجاهل حقوق هؤلاء الضحايا، بيد أنها تلقي من جهة أخرى بظلال من الشك والريبة حول نزاهة جزء من الشخصيات ذات الصيت العالمي.
وبغض النظر عن تداعيات هذه القضية التي شغلت الرأي العام، لكنها على المستوى الإعلامي تزكي مقولة أن " المعنى الحقيقي للحرية هو الحق في إخبار الناس بما لا يريدون سماعه"، وهو الشعار الذى تضعه هيئة الإذاعة البريطانية BBC) ) فوق المدخل الرئيسي لمقرها في لندن .
سكوب
فقبل سنتين من الآن، كتبت مقالا عن قضية ابتسين، لكن من زاوية اعلامية من خلال رصد ما تضمنه فيلم بعنوان " SCOOP سكوب " أي السبق، الذي ينطلق من فكرة مركزية، تتمثل في أنه يتعين على مختلف وسائل الاعلام في ظل المتغيرات في مزاج الرأي العام نتيجة التحولات المجتمعية والتكنولوجية، إن هي أرادت أن تستعيد زمام المبادرة وتحظى بالاهتمام المطلوب، أن تستبعد الانشغال بالقضايا الدولية الروتينية، وتركز على ” ما لا يريد الناس سماعه”، وهي الفكرة الرئيسة التي يحاول هذا الفيلم معالجتها سينمائيا.
وهكذا لم يتوقف أصحاب الفيلم فقط عند الحديث على الرمزية التاريخية للبي بي سي، ولكن تم طرح نماذج لبرامج إعلامية تتميز بالجرأة والجدة، لتلبية حاجيات الجمهور، في الإخبار والتثقيف والترفيه، في ظل المنافسة الشرسة بين وسائل الاعلام. فعبر برنامج إخباري تلفزيوني أسبوعي، بعنوان " نيوز نايت" ( أخبار الليلة ) يثير الفيلم الانتباه إلى ما يتعين أن تركز عليه الصحافة في عالم اليوم، حتى ولو كانت وسيلة إعلام تقليدية، وهنا التلفزيون، في ومن اللايقين، لكن على أساس رفع شأن جنس التحقيق والتقصي عوض الاكتفاء بإعادة ترويج ما تبثه وكالات الأنباء من قصاصات خبرية.
تبدأ المشاهد الأولى للفيلم من إعلان مسؤولة بالإدارة العامة للبى بى سي عن خطط تهدف إلى تسريح عدد كبير من العاملين بدعوى تمكن المؤسسة من خفض نفقاتها والرفع في نفس الوقت من كفاءتها المهنية، وملائمة مع التحولات التكنولوجية. هذا القرار الجديد سيشمل كافة الأقسام الإخبارية والبرامجية . بعد ذلك تنتقل الكاميرا إلى فضاء هيئة تحرير برامج ( نيوز نايت )، حيث يعلق صحفي بذات البرنامج على قرار الإدارة بالقول " ها قد بدأت الكارثة التي ستصيبنا لا محالة".
العالم تغير
غير أن زميلا له، يرى عكس ذلك، لكن هذا يفرض على طاقم البرنامج البحث عن أفضل السبل لتحسين الانتاج وتطوير المهارات والأداء في تقديم الأفضل، لأن ذلك هو السبيل الذي يتعين أن يسلكه طاقم البرنامج، لكي يحافظ الجميع على مناصبهم. وبحكم أن العالم تغير، فيجب أن نتغير معه، هذا ما أجمع عليه طاقم البرنامج خاصة وأن كل عام تواجه البي بي سي المزيد من المنافسة في مجال الأخبار والبرامج، وهو ما يحتم بذل مزيد من الجهود في مواكبة الأحداث، للمحافظة على ريادتها.
و في ظل هذه الوضعية الجديدة، دار نقاش حول الموضوع الذي يتعين أن ينفرد البرنامج بتقديمه خاصة وأنه لم يتبق إلا سويعات على بث البرنامج التلفزيوني، وبعد التداول في عدد من المقترحات، استقر الرأي على محاولة إجراء حوار مع الابن الذكر الثاني لملكة بريطانيا إليزابيت، الأمير أندرو، حول ما يتداول عن شبهة صداقته مع الملياردير الأمريكي جيفري إبستين الذي أدانه القضاء بارتكاب جرائم جنسية، وهي القصة التي كانت تستأثر باهتمام الرأي العام البريطاني.
أمير وابستين
وعلى الرغم من أن اقناع الأمير ومساعديه باستضافته في البرنامج، تطلب بذل جهود مضنية، بحكم ما تفرضه التقاليد وصرامة البروتوكول البريطاني والتواصل مع مساعدي الأمير حول مجمل تفاصيل البرنامج الذي بثه تلفزيون البي بي سي والذي كانت الأسئلة تدور كلها حول صورة للأمير أندرو رفقة الثري ابتسين بالولايات المتحدة، نشرتها إحدى الجرائد الصادرة بنيويورك على صدر مقال لها، خصصته للحديث عن وجود علاقة صداقة له مع الملياردير الأمريكي المدان قضائيا بسبب جرائم جنسية.
وعلى الرغم من أن الأمير أندرو شكك طوال البرنامج في صحة هذه الصورة، لم يبد ندما على العلاقة التي كان تجمعه في مرحلة معينة مع الثري الأمريكي ابتسين. وقال في هذا الصدد إن الأشخاص الذين قابلهم، والفرص التي أتيحت له للتعلم، " كانت في الواقع مفيدة للغاية". لكن بعد أيام قليلة، من بث هذا البرنامج الاخباري الذي حقق أعلى نسب مشاهدة، أعلن قصر باكنغهام أن الدوق سيستقيل من كافة مهامه الملكية، وسيتوقف، فعليا، عن كونه عضوا عاملا بالعائلة المالكة.
درس في الصحافة
وهكذا شكل فيلم " سكوب "، درسا بليغا في مجال الصحافة، ويبرز كذلك أهمية البرامج الإخبارية التلفزيونية، التي تلتزم بإعلام الحقيقة والقطع مع التضليل والتعتيم، لأن " المعنى الحقيقي للحرية هو الحق في اخبار الناس بما لا يريدون سماعه".
وفي الرابع من فبراير الجاري كانت صحيفة" وول ستريت جورنال" الأمريكية، قد أبرزت في معرض تعليقها على تداعيات قضية إبتسين الذي كان قد أعلن عن انتحاره بالسجن، بأنه " عادةً ما تُعامل مثل هذه الوثائق المتعلقة بالتحقيق بسرّية تامة لحماية الضحايا الأبرياء والشهود، وهو درس يبدو أن الكونغرس مضطر اليوم إلى تعلّمه".






