مجتمع وحوداث

المناعة خير من النجاة

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

ما أثلج صدري في عودة ساكنة القصر الكبير إلى منازلهم لم يكن فقط نجاتهم، بل ذلك الشعور الجمعي بأن الدولة كانت هناك قبل أن يصل الخطر إلى ذروته. في مشهد الإجلاء، ثم في مشهد العودة، و المشاهد بين الزمنين..رأيت وجهين لسياسة عمومية واحدة: وجها يُجيد تدبير الطارئ، ووجها آخر لم يُختبر بعد بما يكفي، هو القدرة على منع الطارئ من أن يوجد أصلا.

صحيح أن التدبير كان استباقيا وناجحا بمعايير إدارة الأزمات: تحذير مبكر، إجلاء منظم، حماية للأرواح، ثم إعادة تدريجية للحياة إلى إيقاعها الطبيعي. لكن النجاح في إدارة الخطر لا ينبغي أن يُغري بالاعتياد عليه. لأن أخطر ما قد يحدث لأي منظومة تدبير هو أن تتحول الاستثناءات إلى روتين، وأن نصبح بارعين في الإجلاء أكثر مما نحن بارعون في جعل الإجلاء غير ضروري.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا لو عادت نفس التساقطات، أو أشد؟ هل سنكرر نفس السيناريوهات بنفس الكفاءة ونعتبر ذلك انتصارا جديدا، أم سنكون قد استثمرنا هذا الدرس لننتقل إلى مستوى آخر، حيث لا يصبح الماء تهديدا أصلا؟

في علم تدبير المخاطر، هناك فرق جوهري بين “الاستجابة” و“التخفيف”. الاستجابة تعني أن نتصرف بفعالية عندما يقع الخطر، أما التخفيف فيعني أن نعيد تشكيل الواقع حتى نقلل من احتمال وقوعه أو من قدرته على الإضرار. ما حدث في القصر الكبير كان استجابة نموذجية، لكن الرهان الحقيقي يوجد في التخفيف، في البنيات التحتية التي تمنح الماء مسارات بديلة، في قنوات التصريف التي تمنع تراكمه، في إعادة التفكير في علاقة المدينة بمحيطها الهيدرولوجي.

الماء، بطبيعته، لا يهاجم المدن، بل يبحث عن أدنى النقاط وأيسر المسارات. عندما يغمر مدينة، فذلك غالبا لأن المدينة وُضعت في طريقه دون أن تُوفر له طريقا آخر. لذلك، فإن عبقرية التدبير لا تقاس فقط بعدد الأشخاص الذين تم إنقاذهم، بل بعدد الأشخاص الذين لم يعودوا أصلا معرضين للخطر.

ما يجعل مثال ملعب مولاي عبد الله لافتا ليس فقط كونه امتص مياه الأمطار، بل لأنه جسّد فلسفة مختلفة: فلسفة تجعل البنية التحتية جزءا من الحل، لا مجرد ضحية للظروف. تلك ليست معجزة هندسية، بل نتيجة تصور يرى في الوقاية استثمارا، لا كلفة.

القصر الكبير اليوم أمام فرصة نادرة، ذاكرة حية للخطر دون أن تدفع ثمن الكارثة. وهذه هي اللحظة المثالية للانتقال من سياسة النجاة إلى سياسة المناعة. لأن الفرق بين مدينة تنجو ومدينة لا تُهدد أصلا، هو الفرق بين تدبير جيد وتدبير ذكي.

يبقى السؤال معلقا، لا كتشكيك في ما تحقق، بل كدعوة إلى ما يمكن تحقيقه، ماذا لو استثمرنا نفس الإرادة التي أنقذت الناس، في مشاريع تجعل إنقاذهم مستقبلا غير ضروري؟ هنا فقط، يمكن القول إن القصة انتهت فعلا. أو بالأحرى، إنها بدأت بشكلها الصحيح..