مجتمع وحوداث

في مديح العتبات المنسية

عبد الرحيم التوراني (صحفي)

لم تكن الدار البيضاء يوما مجرد إحداثيات على خريطة.. بل هي حالة ذهنية ودوامة من الحكايات التي تُروى همسا فوق طاولات الرخام الباردة وكونتوارات الخشب الأبنوس اللامع... 

هذه السطور أبعد ما تكون منشورا سياحيا، ولا هي محاولة للتأريخ الرسمي الذي يكتبه المنتصرون أو الموظفون...

 بل هي أرشيف للعاطفة.. وجمعٌ لشتات الأرواح التي سكنت زوايا المقاهي وعتمة الحانات.. ورطوبة الأزقة التي تفوح بالثرثرة المغموسة في سوائل القهقهة.. والمغلفة برائحة البحر والتبغ الرخيص.

بدأ الأمر بسلسلة تدوينات فيسبوكية نشرتها بعنوان "الأماكن كلها"... كانت بمثابة صرخة لترميم ذاكرة جمعية تآكلت بفعل الإسمنت والنسيان... 

كنا نبحث في كازا عن الإنسان لا عن العمران، عن ذلك المختبر الإنساني العفوي الذي يعيد صياغة هويتنا بعيدا عن صرامة البدلات الرسمية...

واليوم وبعد إلحاح من صديقي الناشر اللبناني الذي طارد هذا المخطوط لسنوات، أستعد كي يخرج هذا العمل للنور.. ليس ككلمات فحسب، بل كألبوم بصري يمزج بين الصورة والذاكرة، ليوثق تقاطعاتنا المشتركة في مدينة ترفض أن تموت حتى وهي تتألم.


اليوم أتقاسم معكم سطورا جديدة... لعلها تكون ضمن فصول ذلك الكتاب المرتقب، سطور كُتبت تحت ظلال الصمت الرمضاني.


*** 

في الدار البيضاء تخالف الأماكن كل نظريات التسويق الجذاب.. هنا لا تحتاج الحانة لاسم يغريك بالاسترخاء، بل لاسم يصفعك بحقيقتك الجارحة.  

غير بعيد عن درب عمر، تقبع حانة Mal Assis "الجلسة غير السوية"... منذ العتبة، يهمس لك المكان: لا تبحث هنا عن استقرار، أنت عابر بوضع غير مريح...

وفي شارع مصطفى المعاني، تطل حانة Les Invalides - "المعاقون"... 

في باريس يحيل الاسم إلى المجد العسكري، أما هنا فيحيل إلى هزائمنا الصغيرة التي نجرجر أذيالها في هزيع الليل... 

في حي مرس السلطان، تباغتك Pied de Cochon "رِجل الخنزير"، وبجانبها في زنقة عمر السلاوي تشتعل Midi Grille "الظهيرة المحترقة"....

أسماء تختصر لوعة الهروب من هجير الواقع اليومي إلى عتمة الأقبية الرحيمة...

لم تخلُ المدينة من معارك الرموز... في منطقة عين الدياب الساحلية، اختار أحدهم لملهى ليلي اسم "زمزم"، في سخرية بيضاوية عبثية، قبل أن تتدخل هيئة العلماء وكان يرأسها حينها العلامة عبد الله كنون، لتمسح الاسم بضربة ريشة، فيتحول بقدرة قادر إلى Le Zoom.

وفي منطقة روش نوار وقعت مفارقة مدهشة، حين تم تغيير اسم زنقة تحمل اسم ضابط فرنسي باسم الصحابي عمرو بن العاص.. كانت بالزنقة حانة قديمة يديرها فرنسي، تحولت إلى مقهى تقدم المشروبات الحلال، وصار الرواد يرتادون مقهى الصحابي الجليل بدل الضابط المستعمر!

أما حانة تور حسان بشارع الجيش الملكي فهي لغز المدينة الأكبر، إذ تحمل اسم أشهر مساجد الرباط، وبداخلها ملصق ضخم للصومعة، كأن الزبائن يصلّون في محراب الغياب...

في أحياء ومناطق أخرى من المدينة الزبائن هم من يعمدون الأمكنة...

هناك بار يكاد يكون منسي الاسم الحقيقي لدى البعض، يُعرف بـ "بار الطُّوبَّة"... سُمي تيمناً بصاحبته الصارمة التي تراقب المكان من ركنها الحصين بعين الردار.. حتى بعد أن تحجبت ظلت "الطُّوبة" جالسة بوقار، وأمامها كأس يفيض بسائل أبيض، لا أحد يعرف إن كان جين.. فودكا.. أم مجرد "شويبس" متنكر.. أو ماء "سيدي علي" المعدني.

وقرب سينما ريالطو ثمة مقهى ومطعم يفوح بالطرب ودخان الأرجيلة يُدعى "الزوجة الثانية"، كان يديره ابن المطرب المصري الكبير محمد عبد المطلب، ليكون ملاذا لمن يبحث عن شجن قديم.

في قاموس البيضاويين لم تنل العلب الليلية القابعة في الأقبية أسماءً فخمة، بل سُميت ببساطة "الحُفَر"... من دخلها فهو نازل لا محالة في رحلة إلى جوف المدينة المظلم...

في المقابل.. ثمة من يبيعك "النصر" بالتقسيط، فكم من صديق طمأن أصحابة هاتفياً بأنه "قادم من النصر"، وهو لا يقصد سوى حانة في شارع مولاي عبد الله! هو الشارع نفسه الذي كان يحمل اسم بليز باسكال.. الفيلسوف الفرنسي الذي اشتهر في القرن 17بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء،

هذه التذكرات التي أيقظتها صور قديمة ليست إفطارا في نهار رمضان كما قد يزعم هواة الفتاوى الجاهزة، بل هي صلاة لاستحضار الروح التي تسكن جدران هذه المدينة... إنها محاولة لتأريخ كازابلانكا التي نعيشها بدمنا، لا تلك التي نلمحها في الكتيبات السياحية اللامعة.

وتبقى هذه الصفحات مجرد اعترافات متأخرة لمدينة أعطتنا كل شيء ولم نمنحها سوى الحنين...

 إن استحضار هذه الأماكن.. من "بار الطوبة" إلى "الحُفر" العميقة في جوف المدينة... ليس تمرداً على القداسة، بل هو إيمان بأن القداسة الحقيقية تكمن في صدق التفاصيل.

لقد حاولت في هذه الرحلة أن نتتبع "النصر" الموعود في حانات وسط المدينة، وأن نفهم لماذا نختار "الجلسة السيئة أو غير السوية" Mal Assis بدلاً من مقاعد الراحة الزائفة... 

إنها كازابلانكا التي نعيشها بدمائنا، مدينة المفارقات حيث يتحول "زمزم" إلى "زووم" بضربة ريشة، وحيث يسكن الطرب في "الزوجة الثانية".


أغلق هذه السطور، لكني لا أغلق الحكاية، فما دامت الدار البيضاء تتنفس، ستبقى هناك زاوية مهملة، أو نادل عجوز، أو ملصق باهت لـ "صومعة حسان" فوق بار قديم، ينتظر من يكتب عنه. 

أما الذين قد لا تعجبهم هذه المذكرات أو يرونها خروجاً عن المألوف، فلن أرد عليهم بغير لغة المدينة وأسمائها الجسورة: "فليشربوا البحر".. تماماً كما تدعوهم تلك الحانة القابعة في قلب حي بوركون وسط الدار البيضاء. (شوف الصورة).. فهذه الورقة ليست سوى فصل في سيرة طويلة لمدينة لا تنتهي قصصها، تماماً كما لا تنتهي خيباتنا وانتصاراتنا الصغيرة في هزيعها الأخير.