سياسة واقتصاد

عقيدة الضاحية وخيار المغرب: الوطن أولاً

بديعة الراضي

في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتعقد الصراعات، أصبح وضوح السياسة الخارجية لأي دولة مرتبطاً بمصالحها العليا وأولوياتها الاستراتيجية، وليس بردود الفعل المؤقتة أو الاصطفافات اللحظية. المغرب جعل من وحدته الترابية معياراً ثابتاً، ووضع قضية الصحراء المغربية في صميم أولوياته الوطنية، لتصبح قاعدة “الوطن أولاً” البوصلة التي تحدد مواقفه تجاه شركائه الدوليين وأصدقاءه.

الصراعات الحديثة لم تعد مجرد حروب تقليدية بين دول متساوية، بل تحولت إلى ساحات لتدخلات خارجية عبر الجهات المسلحة المستقلة عن الدول، وتغذية النزاعات المحلية لحساب صراعات إقليمية أوسع. ومن هذا المنطلق يظهر مفهوم Dahiya Doctrine أو “عقيدة الضاحية”، الذي يقوم على استخدام قوة مفرطة لضرب الخصوم غير النظاميين واستهداف بيئتهم الحاضنة لإحداث ردع شامل، وإجبارهم على إعادة حساباتهم، وهو نموذج صارم في إدارة النزاعات غير المتكافئة.

وفي هذا الإطار، شكلت تدخلات بعض الأطراف الإقليمية في قضية الصحراء المغربية مصدر قلق استراتيجي. فقد أعلنت الرباط سنة 2018 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع ايران بعد ثبوت دعم قدم عبر شبكات مرتبطة بـ حزب الله لصالح جبهة البوليساريو، بما شمل التدريب العسكري ونقل الخبرات القتالية. المغرب اعتبر هذا التدخل محاولة لإدخال شمال إفريقيا في صراعات لا تخدم الاستقرار، وسعي لإيجاد موطئ قدم جيوسياسي على حساب القضية الوطنية الأولى.

ومع ذلك، يظل الموقف المغربي متوازناً: احترام سيادة الدول لا يعني السكوت عن أي مساس بأرضه ووحدته. ومن هنا أصبح معيار الصحراء هو المحدد الأساسي في رؤية العلاقات الدولية: من يدعم وحدة المغرب يجد أبواب الشراكة مفتوحة، ومن يتجاوز هذا الخط الأحمر يضع نفسه في مواجهة السياسة المغربية الثابتة.

ورغم هذه التحديات، ظل المغرب ملتزماً بخيار السلام كخيار استراتيجي ثابت، وداعماً نشطاً للجهود الدولية لحل النزاعات، خصوصاً تحت إشراف الامم المتحدة. فقد قدم المغرب مبادرات عملية للتوصل إلى تسويات سياسية واقعية ومستدامة، مؤمناً بأن الأمن الإقليمي لا يتحقق عبر تسليح النزاعات أو تحويلها إلى ساحات للصراعات، بل من خلال الحوار والتفاهم والمبادرات الدبلوماسية البناءة.

إن الجمع بين الدفاع عن الوحدة الترابية والدفاع عن السلام ليس تناقضاً، بل هو جوهر السياسة المغربية. المغرب الذي يضع الوطن أولاً لا يغلق أبواب التعاون مع العالم، لكنه يضع قاعدة واضحة: الاحترام الكامل لسيادته ووحدة أراضيه. وفي الوقت نفسه، يواصل دوره كفاعل دولي داعم للسلام، يسعى إلى نشر ثقافة التسوية والحوار في النزاعات الإقليمية والدولية، وتعزيز الاستقرار والأمن في العالم.

وبناءً عليه، يظل موقف المغرب من إيران أو أي طرف آخر موقفاً حازماً: لا يمكن إقامة علاقات طبيعية مع من يتجاهل القضية الوطنية الأولى أو يحاول توظيفها في حسابات جيوسياسية ضيقة. المبدأ ثابت: الوطن أولاً، والسلام خيار استراتيجي، وهو الأساس الذي يوجّه السياسة المغربية في عالم يزداد تعقيداً، ويعكس التزام المملكة بدورها الدولي في دعم الاستقرار وحل النزاعات سلمياً.