تكتيك يقوم على قطع الاتصال بين الخطوط. بين المشاة والدبابات والطائرات النفاثة. ونحن نفكر في المباريات نفكر في النجوم والأسماء اللامعة. وليد يركز على منع النجوم من السباحة في مباراة سهلة. لا بد من إغراق المباراة تحت أمطار "سير..سير".
يزرع مفاجآت غير سارة بين الخطوط . كل منتخب نسق إذا تمزّق تنتهي الحكاية. البرازيل ليست فينيسيوس جينيور. البرازيل نسق من بناء الهجمات الضاربة.
تنقشع هالة الأسماء الخارقة للعادة حين يبطل الركراكي مفعول الكيمياء. حين يفكك المركبات الذرية الصغيرة التي تنتج تألق البرازيل أو إسبانيا أو البرتغال أو بلجيكا، يفكّكها ويحوّلها إلى ذرات سابحة في سواد الكون العظيم بأسئلة معلقة عن عبثية الحياة ومعنى النية والعارضة التي تدافع مع بونو عن عرين الأسود!
تعثّر الركراكي في منافسات كأس أمم إفريقيا مرّتين. في الكوت دي فوار في 2023، وفي عقر الدار في 2025. في المغرب ربح الحرب التكتيكية وخسر الحرب النفسية، "لتسرق" السنغال اللقب.
انقلب الحب إلى هجاء، وهزمت شعارات الرحيل ذاكرة البقاء. وكذا تكون مصارع العشّاق. كأن كل حب لا ينتهي بفراق لا يعوّل عليه. الجماهير التي هتفت باسم وليد وتيمنّت بصلعته "المباركة"، بدأت تبحث عن الخلاص في اسم آخر.
مدرب آخر يأتي محملا بإنجازات كبرى كما جاء الركراكي محملا بألقاب البطولة الوطنية ودوري أبطال إفريقيا مع الوداد ودوري نجوم قطر مع الدحيل قبلها، وموجة انتصارات مبهرة.
تسلّم إدارة المنتخب المغربي قبل شهرين ونيّف من انطلاق كأس العالم 2022. وما أن هزم بلجيكا في ثاني مباريات المنافسة حتى فجّر ذاكرة حضارية مضغوطة وفكّ قليلا التاريخ المغيّب للإنسان المقهور ولشعب قلبه عامر بالفرص الضائعة والأفراح المسروقة وتاريخ من عض النواجذ.
شعب الكرة حيلته للتنفيس، يربط الفوز والتعادل وصرخات الركراكي ونظرة زياش وسقوط المرابط بملاحم التاريخ وخيبات الغرام والوطن الممكن والوطن المستحيل.
مع الركراكي بدأ هذا الشعب يربط ما يقع من "معجزات" داخل رقعة الملعب بهجرة الكفاءات والريع والمعنى والعبث ورضا الوالدين والإسلام والحروب الصليبية والتخطيط الحضري وسياسة حفر الآبار والانفجار الكبير والعلمانية وتفاحة آدم وكل شيء، بل مكانا لعبقرية الحسن ثاني في انتصار تحقّق 23 عاما بعد رحيله!
كأس العالم مثّل "فيتو" في وجه التيه والعبث وسؤال "أين تسير البلاد يا صديقي؟". قد لا نعرف أين تسير البلاد، لكنّنا نعلم على الأقل أين يسير المنتخب.
وفي تلك الأيّام التاريخية من أيّام مونديال قطر 2022، وسط "الحشد الشعبي" واشتعال نظريات المؤامرة قبيل مباراة المغرب وفرنسا، صحّح وليد الركراكي زاوية النظر لجماهير فقدت البوصلة من جنون الفرح.
سأله صحافي قبل المباراة: باعتبارك ولدت في فرنسا ولديك لاعبيَن ببطولتها ستكون لك دراية أكبر بهذا المنتخب؟، اقتنص الركراكي السؤال لفتح نقاش أكبر. قال: "ألعب ضد فرنسا بكثير من السعادة والفخر. هذه مجرد مباراة في الكرة. أنا سعيد باللعب ضد أفضل منتخب في العالم، ما عدا هذا لا يهم".
وليد الركراكي ربما كان ليكون سياسيا خطيرا لو لم يختر كرة القدم. لأنه ينجح في صناعة التاريخ من داخل واقع معقد، ويعرف كيف يتفاوض ويذيب الأسماء المشكوك في كفاءتها في تلك الموهوبة، وكيف يسمع للجماهير ولو أشاح عنها غضبان أسفا.
راهن النظام على هذه الرجل كثيرا. كرة القدم باتت تقدّم سرديّة بديلة لسردّية داخلية مشوشة المعالم وتعيش على وقع مفارقات بين أصالة مُغرّبة وحداثة منتقاة.
صارت الكفاءة في الكرة تنسحب على كفاءة البلاد ونظامها وخططها للمستقبل، وصعود الركراكي في ترتيب "فيفا" يحيل رمزيا على ارتقاء البلاد في مصاف الأمم.
قبل تسلّم الركراكي قيادة المنتخب كان ترتيب هذا الأخير في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" 24 عالميا، واليوم وهو يغادره يحتل المغرب المركز 8. يا لها من قفزة.
حسب أرقام تعود إلى 2025، المغرب احتل المرتبة 120 في مؤشر التنمية البشرية (من أصل 190 دولة)، والمرتبة 86 في مؤشر الحرية الاقتصادية (من أصل 184 دولة) والرتبة 120 من أصل 180 دولة في حرية الصحافة.
ولا يظهر في أي من هذه المؤشرات أثر قفزة عظمى للأمام كتلك التي حققها وليد الركراكي في الساحرة المستديرة.
مع ذلك، دعونا لا نأخذ الرياضة بجريرة السياسة هذا اليوم على الأقل، ونقول لوليد الركراكي ألف شكر وكل التوفيق لك في مسارك. اليوم يتولّى محمد وهبي الذي فاز بكأس العالم مع منتخب الشباب أقل من 20 سنة المهمة.
نقول له مرحبا بك في طريق الآلام (Via Dolorosa) !






