سياسة واقتصاد

اليسار المغربي في زمن النيوليبرالية.. أزمة بنيوية وفرص التجدد

نبيلة جلال (محامية وناشطة حقوقية)
حين نتحدث اليوم عن أزمة اليسار في المغرب، فإننا لا نكشف سراً جديداً أو نحاول ممارسة هجوم مجاني عليه، فضعف الأحزاب اليسارية، وتراجع قاعدتها الجماهيرية، وانكماش حضورها المجتمعي، باتت معطيات شبه مستقرة لدى العديد من الناس.

غير أننا إذا حصرنا الأزمة في أزمة تنظيم أو قيادة، سنكون غير منصفين، لأن ما يعيشه اليسار اليوم يرتبط بتحول في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نشأ فيها اليسار نفسه.

دخل المغرب، منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، منعطفاً حاسماً في مساره التنموي من خلال تبني برامج «الإصلاح الهيكلي» بتوجيه مباشر من المؤسسات المالية الدولية «صندوق النقد والبنك الدوليين».

وعلى عكس القراءات التي تحصر هذه البرامج في خانة «الإجراءات التقنية» لضبط التوازنات الماكرو-اقتصادية وتقليص المديونية، فإن الجوهر الحقيقي لهذا التحول كان يمس الحياة اليومية للمواطن المغربي.

ومن ثمة، لم يكن التحول الذي شهده المغرب مجرد تغيير في السياسات المالية، بل كان انتقالاً جذرياً في هوية الدولة وعلاقتها بالمواطن. 

تحول الدولة نحو السوق

فبعد عقود من تبني نموذج «الدولة ذات الدور الاجتماعي والتنموي» -التي كانت تضع التعليم، والصحة، وتشغيل في صلب مسؤولياتها المباشرة- أعادت هذه الأخيرة تموقعها لتصبح «منظماً للسوق» تاركةً الساحة الاقتصادية للاستثمار الخاص والمبادرة الفردية.

هذا التحول البنيوي أدى إلى تجريف «التربة» التي كان ينمو فيها اليسار المغربي، حيث تغيرت ملامح الكتلة البشرية التي كانت تشكل قوته وقاعدته الجماهيرية.

قاعدة اليسار في ما بعد الاستقلال

لقد شكلت مرحلة ما بعد الاستقلال في المغرب سياقاً فريداً تبلورت فيه قاعدة اجتماعية صلبة لليسار، حيث ساهمت الدولة بوعي أو بدونه، ومن خلال استثماراتها المباشرة في التعليم والصحة والوظيفة العمومية، في خلق «مختبر اجتماعي» لإنتاج الوعي والاحتجاج، فبرزت طبقة وسطى متعلمة، وقطاع عام حيوي، وحركة طلابية ونقابية فاعلة، تحولت جميعها إلى منصات حقيقية للصراع حول التوزيع العادل للثروة والحقوق.

ومع أن اليسار نجح في التموقع بقلب هذه المعادلة كصوت للمطالب الشعبية في الشوارع والمؤسسات، إلا أن هذا الفضاء لم يكن نتاج تسامح سياسي أو انفتاح ديمقراطي، بل كان ساحة مواجهة عنيفة.

إذ واجهت بنية الدولة السلطوية، خاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، هذا المد الشعبي بجهاز قمعي ممنهج استهدف كسر شوكة النضال بالعنف المباشر.

مفارقة تاريخية كبرى

وهكذا، وجد اليسار نفسه يعيش مفارقة تاريخية كبرى؛ ففي الوقت الذي كانت فيه سياسات الدولة الاجتماعية توفر له الحاضنة البشرية والزخم النضالي، كانت قبضتها الأمنية تعمل على خنق طموحاته السياسية، مما يجعل أزمته الراهنة اليوم ليست مجرد عجز تنظيمي، بل هي نتاج مباشر لتفكك ذلك «العالم القديم» الذي كان يستمد منه شرعيته وقوته الميدانية.

تميزت مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين في المغرب بجدلية حادة بين «بناء الدولة» و«قمع المعارضة»، وهي الفترة التي عُرفت تاريخياً بـ «سنوات الرصاص».

فوفقاً لتقارير هيئة الإنصاف والمصالحة وشهادات مؤرخين، لم يكن حضور اليسار في قلب المعادلة السياسية نتاج «انفتاح رسمي»، بل كان ثمرة مشروع وطني عميق ربط بين التحرر السياسي والعدالة الاجتماعية.

ورغم لجوء الدولة إلى ترسانتها القمعية من اعتقالات سياسية ومحاكمات استثنائية ونفي للتضييق على الحركات النقابية والطلابية، إلا أن اليسار استمد شرعيته المجتمعية من كونه المعبر الموضوعي عن فئات اجتماعية صاعدة «موظفون، أساتذة، وأطر القطاع العام» خلقتها الدولة نفسها عبر مؤسساتها العمومية.

وبذلك، تظل تلك المرحلة متميزة عن اللحظة الراهنة بوضوح المعالم الأيديولوجية للصراع، حيث كان دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع هو الميدان الحقيقي الذي تتواجه فيه إرادة السلطة مع طموحات التغيير الديمقراطي.

من «حراسة الذاكرة» إلى «هندسة البديل الاجتماعي»

أما اليوم، فالتحدي مختلف، لم يعد الصراع يدور فقط حول طبيعة النظام السياسي، بل حول حدود السياسة نفسها في ظل عولمة القرار الاقتصادي، والتلاعب بمفهوم الدولة الاجتماعية، وتفكك الطبقة الوسطى وانقراض الطبقة العاملة أمام ظهور أنماط اقتصادية جديدة.

وهو ما يفسر على أن حضور اليسار في قلب المعادلة التاريخية لم يكن هدية من الدولة، بل ثمرة مشروع اجتماعي ووطني حمل مطالب المساواة والتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

والسؤال المطروح اليوم هو: ما إذا كان بإمكان اليسار أن يعيد إنتاج مشروع وطني-اجتماعي جديد، في سياق لم تعد فيه الدولة هي الفاعل المركزي الوحيد، ولم تعد فيه شروط الصراع كما كانت في زمن القمع المفتوح والتعبئة الجماهيرية الواسعة؟

آثار برامج التقويم الهيكلي

للأسف، لم تكن برامج التقويم الهيكلي مجرد خطة لإنقاذ الميزانية، بل كانت بمثابة «هندسة اجتماعية» أعادت رسم المشهد السياسي من جذوره، حيث أحدثت شرخاً في العلاقة التقليدية بين الدولة والمجتمع.

فقد تقلص التوظيف العمومي، وجرى تفكيك أو خوصصة مؤسسات الدولة، وتم تحرير تدريجي للأسعار والأسواق، ومع الوقت، بدأت الطبقة الوسطى المرتبطة بالقطاع العام في التآكل، وتراجعت القدرة التنظيمية للنقابات، وبرزت أنماط عمل غير مهيكلة، مرنة، وهشة، هكذا تفككت القاعدة الاجتماعية التقليدية التي شكّلت حاضنة طبيعية لليسار.

النيوليبرالية كمنطق حكم

الأخطر من ذلك أن النيوليبرالية لم تكن مجرد سياسة اقتصادية، بل تحولت إلى منطق حكم في التسيير والإدارة، فبدلاً من خطاب الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، صعد خطاب المبادرة الفردية والمقاولة الذاتية والنجاح الفردي، ولم يعد الفشل يُقرأ كنتاج لبنية اجتماعية واقتصادية غير عادلة، بل كتقصير وعجز فردي عن النجاح، وتحولت الحقوق الأساسية تدريجياً إلى خدمات مشروطة، مرتبطة بالقدرة على الأداء أو بالاستحقاق الفردي.

لقد أعادت النيوليبرالية تشكيل وعي الأفراد، لا فقط بنية الاقتصاد.

تحول الصراع نحو الهوية

وهو ما كان له تأثير مباشر على طبيعة الصراع السياسي ذاته، فبدلاً من أن يتمحور حول سؤال الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتوزيع الثروة، أخذت النزاعات تتجه نحو قضايا الهوية والقيم والانتماء كأدوات لصناعة وعي جمعي جديد.

وفي ظل هذا التخبط والفراغ، صعدت تيارات محافظة استطاعت أن تعبّئ قطاعات واسعة بخطاب عاطفي وهوياتي، فوجد اليسار نفسه أمام مجتمع لم يعد يتجاوب بالقدر ذاته مع خطاباته التقليدية، لأن شروط إنتاج الوعي الجمعي تغيّرت.

تجربة التناوب الحكومي

لقد أرست برامج التقويم الهيكلي دعائم اقتصاد «السوق المفتوح»، غير أن اللحظة الفارقة إنسانياً وسياسياً تجلت في تزامن هذا التحول البنيوي مع انخراط مكونات من اليسار في «تجربة التناوب الحكومي»، ما وضعها أمام معادلة صعبة انحصرت في تدبير نتائج التحول النيوليبرالي من داخل الدولة، بدل معارضته من خارجها.

ومع مرور الوقت وتراكم إكراهات التدبير الحكومي، بدأ الرصيد الرمزي الذي بناه اليسار عبر عقود من التضحيات في «سنوات الرصاص» يتعرض للتآكل والانهيار.

التباس في المواقع السياسية

فقد أحدث الانتقال من ضفة «المعارضة المبدئية» إلى ضفة «المشاركة المحكومة بالإكراهات» التباساً عميقاً في المواقع، حيث وجد المناضل والقاعدة الشعبية صعوبة في التمييز بين هوية اليسار كمشروع ديمقراطي مستقل وحر وبين دوره الجديد كمدبر لسياسات اقتصادية نيوليبرالية مفروضة.

إلا أن القراءة الموضوعية لهذا المسار تقتضي تجاوز التفسيرات التي تختزل المشهد في سرديات «الخيانة» أو «الانحراف الأيديولوجي»، فالمسألة تتجاوز النوايا الفردية للقادة لتلمس أزمة بنيوية عميقة: من قبيل اصطدام المشروع بالواقع وتحول طبيعة الفعل السياسي الذي انتقل من «النضال الميداني» إلى «التفاوض المؤسساتي»، وهو انتقال تطلب لغة تقنية جافة لم يستسغها الوجدان الشعبي الذي تعود على لغة الحماس والتعبئة.

تراجيديا سياسية بامتياز

إن ما عاشه اليسار كان تراجيديا سياسية بامتياز؛ حيث حاول إنقاذ الدولة من سكتة قلبية محققة، لكنه دفع الثمن من «رأس ماله الرمزي» ومن ثقة فئات عريضة رأت في هذا التموضع نهاية لزمن الوضوح الأيديولوجي وبداية لزمن الضبابية والارتباك السياسي المرير.

تحول بنية الدولة والقرار الاقتصادي

لقد تجاوز التحول الحالي مجرد تغيير في المسؤولين أو الأحزاب، ليطال بنية الدولة ذاتها، حيث لم يعد القرار الاقتصادي شأناً وطنيا خالصاً يخضع للنقاش العمومي أو النقاش السياسي الداخلي.

ففي ظل العولمة الاقتصادية، أصبح القرار رهيناً باعتبارات تقنية ومالية تمليها مؤسسات دولية وتوازنات عابرة للحدود، مما قَلَصَ من هامش المناورة السياسية للدولة الوطنية.

أزمة موقع تاريخي في نظام عالمي

هكذا يمكن القول إن أزمة اليسار المغربي، ليست فقط أزمة تنظيم أو قيادة، بل أزمة موقع تاريخي داخل نظام عالمي أعاد تعريف شروط السياسة ذاتها.

لقد نشأ اليسار في سياق دولة تتوسع اجتماعياً، وطبقات وسطى تتشكل حول القطاع العام، وصراع واضح حول توزيع الثروة.

فضاء مجتمعي جديد وتفتت الفعل الجماعي

لا يتحرك اليسار اليوم في تلك الحاضنة الاجتماعية المتماسكة التي عرفها سابقاً، بل يجد نفسه في فضاء مجتمعي جديد كلياً، تهيمن عليه هشاشة العمل وسيادة العقود المؤقتة، مما حول حلم «الوظيفة المستقرة» إلى صراع يومي من أجل البقاء. هذا الواقع الجديد أفرز تحولات عميقة مَسَّت جوهر الفعل الجماعي حيث تراجعت المطالب الكبرى المشتركة لصالح «فردانية المطالب»ـ حيث بات كل فرد يبحث عن خلاصه الخاص في ظل انحسار الحماية الاجتماعية العامة، مما أدى إلى تفتت القوة التفاوضية التي كانت تمثلها النقابات والجمعيات ويهيمن عليه تحييد القرار الاقتصادي وجعله رهين حسابات دولية إلى شعور المواطن بأن صوته الانتخابي لم يعد مؤثراً في تغيير واقعه المادي، وهو ما نتج عنه فقدان الثقة في المؤسسات والابتعاد الجماعي عن الأطر السياسية التقليدية. وكذا صعود الخطابات البديلة في هذا الفراغ الموحش، صعدت خطابات «غير اجتماعية» تركز على العاطفة أو الهوية أو السلام الذاتي لتملأ مساحة كان يشغلها الفكر النقدي والمطالب الحقوقية الرصينة.

الحاجة المستمرة لخطاب العدالة الاجتماعية

ومع ذلك، إن القول بتآكل الرصيد الرمزي لليسار لا يعني بأي حال من الأحوال «نهاية التاريخ» بالنسبة لمطالبه الجوهرية، بل على العكس تماماً، فإن الواقع الراهن يشير إلى أن الحاجة لخطاب العدالة الاجتماعية باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

فاتساع الفوارق الطبقية، وتعمق الهشاشة في أوساط الشباب، والتحديات البنيوية التي تواجه الخدمات العمومية «كالتعليم والصحة»، كلها مؤشرات تؤكد أن «سؤال الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية» لا يزال هو المطلب الإنساني الأول للمغاربة.

شروط استعادة الفاعلية السياسية

ومع ذلك، فإن استعادة الفاعلية السياسية لليسار لا يمكن أن ترتهن إلى «نوستالجيا» الماضي، بل تتطلب قطيعة منهجية مع الخطابات التعبوية التقليدية القائمة على الصراع الطبقي الجاف إلى خطابات قادرة على ملامسة وجدان جيل «الرقميات» و«الاقتصاد غير المهيكل». إذ يحتاج إنسان اليوم إلى حلول عملية تحمي كرامته الفردية وحقه في الحماية الاجتماعية.

يتطلب كذلك تحرراً من «الحنين النضالي» وخلق «وساطة اجتماعية رقمية وميدانية» جديدة تفهم لغة السوق وتواجه توحشها بأدوات العصر. وكذا بناء رؤية سياسية وبرامج راهنية «كالعدالة الضريبية، حماية البيئة، كرامة الموظف في القطاع الخاص، والحق في المدينة، الأجور....»، وهي قضايا تتقاطع فيها مصلحة المواطن البسيط مع الرؤية السياسية لليسار.

فرصة تاريخية لإعادة التعريف

إن اليسار المغربي اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف نفسه، ليس كـ «حارس للذاكرة»، بل كـمهندس لمستقبل اجتماعي يحمي الإنسان من تغوّل الاستغلال الممنهج، ويحول سؤال المساواة من «شعار أيديولوجي» إلى «حق إنساني» ملموس في حياة كل مغربي ومغربية.

فالمجتمع الذي كان يخاطبه اليسار في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لم يعد هو ذاته لأن بنيته الطبقية تغيرت، أشكال العمل تغيرت، الفضاء العمومي أعيد تشكيله، وأنماط الوعي السياسي انتقلت من الأحزاب إلى الفضاءات الرقمية المفتوحة.

لذلك فإن أي مشروع يساري جديد لا بد أن ينطلق من قراءة دقيقة لهذه التحولات البنيوية، لا من اجترار شعارات تاريخية مهما كانت قوتها.

التحول الرقمي العميق

أول هذه التحولات هو التحول الرقمي العميق، فالرقمنة ليست مجرد أداة تواصل، بل أصبحت بنية تحتية للحياة الاجتماعية والسياسية، المنصات الرقمية تعيد تشكيل الرأي العام، وتختزل المسافة بين الفاعل والجمهور، لكنها أيضاً تُسَرِّع الاستقطاب، وتُجَزِّئ النقاش العمومي، وتُضعف الوسائط التقليدية كالأحزاب والنقابات.

في هذا السياق، لم يعد ممكناً لليسار أن يكتفي ببيانات مكتوبة بلغة تنظيمية معقدة، أو أن يعول فقط على الاجتماعات الحضورية التي تستمر لساعات أو يراهن على نفس الهياكل الكلاسيكية تنظيمياً.

المطلوب هو امتلاك أدوات إنتاج خطاب رقمي مؤثر، مبسّط دون تسطيح، قادر على تحويل القيم الاجتماعية الكبرى إلى سرديات يومية مفهومة.

دون أن نغفل أن الرقمنة ليست مجرد مسألة تقنية، إنها أيضاً سؤال ديمقراطي.

فالتحكم في الخوارزميات، واقتصاد البيانات، واحتكار المنصات الكبرى للمجال العمومي، كلها قضايا سياسية بامتياز.

هنا يملك اليسار فرصة لإعادة صياغة خطابه حول العدالة، ليس فقط كعدالة اجتماعية تقليدية، بل كعدالة رقمية أيضاً من قبيل حماية المعطيات الشخصية، ضمان الولوج المتكافئ للتكنولوجيا، الدفاع عن حقوق العاملين في اقتصاد المنصات، ومساءلة الاحتكارات الرقمية.

إن إدماج البعد الرقمي في المشروع اليساري لم يعد خياراً، بل شرطاً للبقاء في قلب النقاش العام.

التحول التنظيمي والديمقراطية الداخلية

التحول الثاني يتعلق ببنية التنظيم نفسها، لا يمكن لليسار أن يدافع عن الديمقراطية في الدولة والمجتمع، بينما يظل يعاني من أعطاب ديمقراطية داخلية، تمركز القرار السياسي، ضعف التداول القيادي، هشاشة آليات المحاسبة، وتغليب الاعتبارات الشخصية على المؤسسية.

إن استعادة المصداقية تمر عبر إعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية كقيمة ممارسة لا كشعار، فالتداول الحقيقي على المسؤوليات، الشفافية في اتخاذ القرار، إشراك القواعد في رسم السياسات، كلها شروط لإعادة بناء الثقة.

هذا دون أن ننسى تجديد النخب، فالأجيال التي قادت اليسار في مراحل سابقة لعبت أدواراً تاريخية مهمة، لكن تجدد المجتمع يفرض تجدد القيادة، تمكين النساء والشباب من مواقع القرار ليس فقط استجابة لخطاب المساواة، بل ضرورة سياسية.

فالشباب اليوم يعيشون تحولات سوق العمل، والهشاشة، والرقمنة، والهجرة، بطريقة تختلف عمَّن سبقوهم من أجيال، ولا يمكن أن يُمَثَّلُوا بفاعلية دون أن يكونوا جزءاً من صناعة القرار، وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، اللواتي لهن تجارب مركبة في مواجهة التمييز الاجتماعي والاقتصادي، وتشكلن قوة تنظيمية وفكرية هائلة إذا ما أُتيحت لهن القيادة الحقيقية، لا الشكلية.

الأبعاد الثلاثة للمشروع اليساري الجديد

وعليه، فإعادة الصياغة المطلوبة للمشروع اليساري ينبغي أن تجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة، بعد اجتماعي يعيد مركزة العدالة والمساواة، بعد ديمقراطي يعمق ثقافة الحقوق والمؤسسات، وبعد رقمي ومعرفي يفهم تحولات الاقتصاد الجديد وأدوات التأثير المعاصرة. وهو لا يعني قطيعة مع التاريخ، بل تطويره.

فالرأسمال الرمزي للنضال لا يزال قائماً، لكنه يحتاج إلى لغة جديدة، وأدوات جديدة، ووجوه جديدة.

مشاريع ملموسة لمجتمع متسارع التحولات

إن المجتمع المغربي المعاصر، الذي طحنته التحولات المتسارعة، لم يعد يملك الترف الفكري لانتظار «خطابات كبرى مجردة» أو وعود أيديولوجية قد تتحقق وقد لا تتحقق «بل بات يترقب مشاريع ملموسة وواقعية تلامس تعقيدات حياته اليومية، من جودة التعليم والصحة إلى كرامة العمل الرقمي وهشاشة المعيش».

لذا، فإن استعادة اليسار لفاعليته التاريخية ليست رهينة بمدى إخلاصه للماضي، بل بمدى شجاعته في الانتقال نحو «موقع الإبداع والخلق والتجديد».

من أزمة إلى تجدد في زمن التحولات

في هذه اللحظة الفاصلة التي تعرف ضبابية في المشهد العالمي وتحولات كبرى، يمكن أن يتحول سؤال «أزمة اليسار» إلى سؤال «تجدد اليسار»، ففي زمن يتغير فيه العالم وتتغير فيه السياسة والمجتمع بسرعة البرق، لم يعد البقاء للأقوى أيديولوجياً، بل للأكثر قدرة على ملامسة واقع الناس واحتياجاتهم الحقيقية، وتحويل الأحلام الكبيرة إلى "سياسات عمومية" يومية وممكنة.