أسماء لم تكتفِ بإجراء العمليات، بل أسّست مدارس في الفكر الجراحي، وربّت أجيالاً من الأطباء على الصرامة العلمية وروح المسؤولية والإنسانية.
وفي المغرب، يظل اسم عبد.المجيد بلماحي من تلك الأسماء التي صنعت ملامح جيلٍ كامل من الجرّاحين.
جيلٌ عمل في زمنٍ كانت فيه الجراحة تتطلب شجاعة اليد، وسعة البصر، ومعرفة عميقة بأسرار التشريح الإنساني.
في تلك السنوات، كانت الجراحة الهضمية تُجرى تحت ما كان الأطباء يسمّونه «الجراحة المفتوحة».
كان المبضع يرسم على البطن شقوقاً واسعة، تمتد أحياناً كخطٍ طويل يعبر الجسد.
لم يكن ذلك ترفاً جراحياً، بل ضرورة علمية.
فالرؤية المباشرة كانت أساس العمل الجراحي، واليد كانت أداة الاستكشاف الأولى.
كان الجرّاح يرى الأعضاء بعينيه، ويتحسسها بأنامله، ويقرأ في تفاصيلها ما لا تكشفه الصور ولا التحاليل.
وكان الشقّ الوسطي للبطن هو الباب الكبير الذي يدخل منه الجرّاح إلى عالم الأحشاء.
شقّ مستقيم يفتح الطريق نحو المعدة والكبد والبنكرياس والأمعاء. مشهدٌ قد يبدو اليوم مهيباً، لكنه كان آنذاك جزءاً طبيعياً من فن الجراحة.
أما أدوات الجراح فكانت تعكس روح تلك المرحلة.
ملاقط معدنية صلبة، ومباعدات يمسك بها المساعدون لتوسيع مجال الرؤية، ومقصّات دقيقة لكنها قوية.
وكان صوت احتكاك الفولاذ بالفولاذ جزءاً من موسيقى غرفة العمليات.
وكانت خيوط الجراحة في كثير من الأحيان من الحرير أو من مواد غير قابلة للامتصاص.
وكان الجرّاح يغلق طبقات البطن بصبرٍ كبير، عقدةً بعد عقدة، وغرزةً بعد غرزة، كأنه يعيد ترتيب البناء الذي فتحه قبل لحظات.
وكان إغلاق جدار البطن مرحلةً لا تقل أهمية عن العملية نفسها، إذ كان الجرّاحون يخشون من حدوث الفتوق الجراحية التي قد تظهر لاحقاً.
ثم بدأت الجراحة الهضمية تدخل عصراً جديداً.
تطوّر التخدير. وتقدّمت أساليب التعقيم.
وظهرت مواد جراحية أكثر تطوراً. ومع مرور الوقت، دخلت التكنولوجيا إلى غرفة العمليات، لتغيّر ملامح الجراحة شيئاً فشيئاً.
بدأت الشقوق الجراحية تتقلص.
وجاءت الجراحة بالمنظار لتفتح فصلاً جديداً في تاريخ الطب.
فبدلاً من فتح البطن على اتساعه، أصبح الجرّاح يدخل كاميرا دقيقة وأدوات طويلة عبر فتحات صغيرة.
وتظهر صورة الأعضاء الداخلية على شاشة مضيئة أمامه.
لم يعد الجرّاح ينظر مباشرة إلى الأحشاء، بل يتابع حركاته عبر عدسة عالية الدقة.
وصارت الحركات أكثر نعومة، وأكثر دقة.
تبدّلت الأدوات أيضاً. أصبحت الملاقط أطول وأنحف، والمقصّات أصغر حجماً، وظهرت تقنيات طاقية تسمح بالقطع وإيقاف النزيف في آنٍ واحد.
حتى خيوط الجراحة تطورت. فظهرت مواد قابلة للامتصاص تذوب تدريجياً داخل الجسم، كما ظهرت أجهزة التدبيس الجراحية التي تسمح بربط الأمعاء بسرعة ودقة.
ثم جاءت الجراحة الروبوتية لتدفع هذا التطور إلى آفاق جديدة.
حيث تُترجم حركة يد الجرّاح إلى أذرع آلية دقيقة قادرة على تنفيذ حركات متناهية الدقة داخل الجسم.
وهكذا، في غضون عقود قليلة، انتقلت الجراحة الهضمية من زمن الشقوق الواسعة إلى عصر الجراحة الدقيقة.
تقلّصت الجروح. وصارت الندوب أكثر خفاءً. وتراجعت الآلام بعد العمليات. وأصبح المرضى يعودون إلى حياتهم في وقتٍ أقصر.
لكن وراء هذه الثورة التقنية يقف إرثٌ إنساني وعلمي عظيم.
إنه إرث الرواد.
فالجيل الذي مثّله البروفيسور عبد المجيد بلماحي والبروفسور عبد القادر التونسي وضع الأسس الصلبة لهذه الجراحة.
علّموا طلابهم احترام الأنسجة، وفهم التشريح، والشعور بالمسؤولية العميقة التي تفرضها لحظة فتح جسد الإنسان.
لقد تغيّرت الأدوات، لكن روح الجراحة بقيت كما هي.
أن يرى الجرّاح بدقة.
أن يقرّر بحكمة.
أن يتحرك بثقة ومسؤولية.
وفي كل شقّ جراحي، سواء كان واسعاً كما في الأمس أو صغيراً كما في اليوم، تبقى الرسالة واحدة.
خدمة الصحة و الحياة.






