صحة وعلوم

الصحة النفسية للتلاميذ

فيصل العراقي (استراتيجي في الابتكار والأثر الاجتماعي بـ ImpactForge)

هل مدارسنا مهيأة فعلاً للتعامل مع الأزمات النفسية التي يعيشها بعض التلاميذ؟

كلما وقعت مأساة داخل مدرسة، يتكرر المشهد نفسه، حيث يبدأ النقاش سريعًا بالبحث في حياة الضحية!!


هل كانت تعاني من مشاكل أسرية؟ هل تعرضت للتنمر؟ هل كان الضغط الدراسي أكبر مما تستطيع تحمله؟


إنها أسئلة مشروعة بلا شك، لكنها في الغالب تبقى أسئلة مرتبطة بالضحية، بينما السؤال الأهم، بل الأصعب، هو الذي يرتبط بالنظام التعليمي نفسه، وليس بالشخص الضحية.

هل المدرسة، كما صُممت اليوم، قادرة فعلًا على فهم الأزمات النفسية التي قد يعيشها بعض التلاميذ؟


المدرسة الحديثة بُنيت أساسًا حول غاية وفكرة واضحة: إنها نقل المعرفة، وتنظيم الامتحانات، وتقييم الأداء، لكنها لم تُصمم دائمًا للتعامل مع التعقيد النفسي الذي يعيشه جيل كامل من المراهقين.


تلميذ اليوم لا يعيش فقط ضغط الدراسة، بل يعيش أيضًا ضغط المقارنة الدائمة، سواء داخل القسم أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إنه يعيش أسئلة الهوية، والخوف من الفشل، مما يولد أحيانًا شعورًا عميقًا بالعزلة.


في هذه البيئة، يمكن لإشارات صغيرة أن تكون نداء استغاثة، كالعزلة المفاجئة، أو التراجع الدراسي الحاد، أو التغير المفاجئ في السلوك.


ليبقى السؤال الحقيقي، رغم بساطته: من يقرأ هذه الإشارات داخل المدرسة؟


في العديد من المؤسسات التعليمية، لا يوجد أخصائي نفسي، ولا توجد بنية واضحة للإنصات أو المتابعة. فالتلميذ يمر كل يوم أمام عشرات البالغين داخل المدرسة دون أن يلتفت إليه أحد، أو ينتبه إلى ما يحدث داخله.


رغم حساسية هذا الموضوع، وقلة المعطيات الرسمية، فإن بعض الدراسات تشير إلى مؤشرات تدعو إلى القلق. فبعض الأبحاث حول الصحة النفسية لدى المراهقين في المغرب تشير إلى أن واحدًا من كل ستة مراهقين فكر مرة على الأقل في الانتحار. كما أن تقديرات صحية تتحدث عن أكثر من ألف حالة انتحار سنويًا في المغرب. لكن المشكلة الكبرى ليست فقط في هذه الأرقام، بل في ما قد يختفي وراءها.


فالكثير من الباحثين يشيرون إلى أن المعطيات المتوفرة قد لا تعكس الصورة الكاملة، فالوصمة الاجتماعية المرتبطة بالانتحار، وعدم التصريح ببعض الحالات، إضافة إلى تصنيفها أحيانًا كحوادث عرضية، كلها عوامل تعقّد فهم هذه الظاهرة.


وهنا يظهر سؤال آخر: كيف يمكن مواجهة مشكلة لا نملك حتى صورة واضحة عن حجمها؟


في عدد من الأنظمة التعليمية المتقدمة، يوجد داخل المدارس الأخصائي النفسي المدرسي، الذي يضطلع بدوره بوضوح. فهذا المختص ليس مجرد شخص يقدم نصائح عامة فقط، بل هو يمتلك تكوينًا وتأهيلًا يمكنه من فهم التحولات النفسية للمراهقين، والقدرة على اكتشاف المؤشرات المبكرة للأزمات، ليعمل بعد ذلك إلى جانب الأساتذة والأسر على فك شفرة هذه الأزمات وحلها قبل أن تتفاقم الأمور.


إن وجود هذا النوع من الخبرة داخل المدرسة يسمح بطرح أسئلة بسيطة لكنها حاسمة، ليتم بعد ذلك التأكد من خلالها: هل هذا التلميذ يعاني من ضغط عابر، أم من أزمة أعمق؟ وهل هذا السلوك مجرد تمرد مراهق، أم علامة على معاناة حقيقية؟


لكن في سياقنا الوطني المغربي، ما يزال هذا الدور شبه غائب داخل معظم المؤسسات التعليمية. وحتى عندما نتحدث عن الحاجة إلى الأخصائيين النفسيين، يبرز سؤال آخر يتعلق بالتكوين نفسه: هل برامج علم النفس في الجامعات مرتبطة فعلًا بما تحتاجه المدارس؟ أم أن جزءًا كبيرًا من هذا التكوين يبقى نظريًا بعيدًا عن الواقع الميداني؟


فمن المهم التمييز بين المعرفة العلمية في علم النفس وبين ما أصبح شائعًا في وسائل التواصل الاجتماعي. فالصحة النفسية ليست نصائح تحفيزية أو محتوى سريع الانتشار يهدف إلى تحقيق “الترند”. إنها مجال علمي متخصص يتطلب تكوينًا علميًا جادًا وخبرة مهنية.


صحيح أنه في نهاية الأمر، لا يمكن لأي مدرسة أن تمنع كل المآسي، لكن من الضروري أن تكون المدرسة هي المكان الذي يتم فيه اكتشاف تلك الإشارات الأولى للألم قبل أن تتفاقم وتتحول إلى صمت نهائي.


لهذا، يجب بهدوء وصدق طرح السؤال التالي: هل المدرسة لدينا مؤسسة لا تتجاوز كونها مكانًا للتلقين وتقييم التلاميذ…؟


أم أنها مؤسسة قادرة أيضًا على الانتباه إليهم…!؟