أكتب منذ فترة دراسة عن محمد جسوس (1938-2014)، أحد أهمّ رواد البحث السوسيولوجي بالمغرب. وأثناء الإعداد خطر لي أن أتقاسم في هذه التدوينة لقاءات "جمعتني" بمحمد جسوس:
اللقاء الأول:
أتذكر أن محمد جسوس كان رفقة ذ. إدريس بنسعيد وذ.المختار الهراس حينما اجتزت المباراة الشفوية في ماستر التنمية والتحولات الاجتماعية عام 2007، وهو وقتها عليل الجسد ضعيف البصر وفي حديثه لُثغة، إلا أني لم أكن أعرفه إلا اسما علَما، ولا كنت قد قرأت كتبه التي اقتنيتها عندما صدرت عن منشورات الأحداث المغربية بداية الألفينات: "طروحات حول المسألة الاجتماعية"(2003) و"طروحات حول الثقافة واللغة والتعليم"(2004)، و"رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب"(2003). وكما هو معروف لم يترك محمد جسوس دراسات وكتبًا قصدَ كتابتَها قصدًا، بل كل ما ضمته الكتب السالفة محاضرات ودروس وحوارات جمعها تلامذته لاحقا، ونشروها.
اللقاء الثاني:
إن تلامذة محمد جسوس أكثر من أن يحصوا. قبل سنوات، تقاسم معي أستاذي للفلسفة في المرحلة الثانوية محمد البوقيدي دروس سمعها ودوّنها بيده لمحمد جسوس عن سوسيولوجيا التخلف والتنمية في الموسم الدراسي 1989. ووعدته ألا أتقاسمها مع أحد، لكني بعدها أخلفت الوعد وشاركتها مع ذ. بنسعيد لعلمي بأنه مهتم بجمع أعمال جسوس، مع الحرص على ذكر اسم من كتبها وجمعها ورقنها متمنيا نسبتها إليه في حال النشر. صحيح أن كثيرا من أفكار جسوس مبثوثة في العالم الشفوي. ويعتقد البعض أن كل حديث شفوي يفتقد الصرامة الأكاديمية، لكن في حالة جسوس، أحاديثه ومحاضراته تؤكد عكس ذلك، وهي متوفرة لمن شاء الاطلاع.
اللقاء الثالث:
جددت لقائي مع محمد جسوس عام 2014 عندما توفيّ. جاءني الصديق مولاي أحمد صابر وطلب مني كتابة مقال عن محمد جسوس وكنت وقتها رئيس قسم الدراسات الحداثية في مؤسسة مؤمنون بلا حدود، وأكتب مقالا شهريا على موقع المؤسسة، ولم أتردد لحظة واحدة في الاستجابة، وبعد أسبوع نشرت نصا موجزا عن الجانب النقدي في ممارسته السوسيولوجية، وختمته بالفقرة التالية: "سيخلّف رحيل محمد جسوس عن عمر ناهز الست وسبعين سنة بعد معاناته لسنوات طويلة مع المرض فراغا رمزيا في حقل السوسيولوجيا بالمغرب لما كان له من بصمة واضحة على معظم خريجي علم الاجتماع، ومساهمته في ترسيخ تقاليد النقد السوسيولوجي للمجتمع. لكن، وهذا الأهم، ستبقى روح النقد سارية، تنبعث بين حين وآخر لتزعج تلك السوسيولوجيا المطمئنة المروّضة."
اللقاء الرابع:
أخبرني ذ. عمر بنعياش قبل ثلاث سنوات عن عزمه ترجمة ونشر أطروحة محمد جسوس "نظرية التوازن وتفسير التغير الاجتماعي" (2026) التي نال بها الدكتوراه عام 1968 في برينستون، وأبديت رغبتي ونيتي للمساعدة في البحث عن النص والترجمة إن احتاج ذلك، لكن ذ. عمر كان قد نذر وقته وتركيزه لذلك، وفعل. بعد إصدار الكتاب، أهداني نسخة قرأت معظمها بعناية، ثم بعد أيام نظمت الكتابة الإقليمية للاتحاد الاشتراكي بالرباط تقديما للإصدار، فحضرته وأفدت من حرارة الأفكار وزوايا النظر، وكانت مدارسة كل من خالد عليوة وإدريس بنسعيد للكتاب محفزة لإعادة القراءة مرة أخرى على محمل الجد، لا سيما مواجهتي لسؤال لم يخطر لي من قبلُ على بال: لماذا اهتمّ محمد جسوس بنظرية التوازن البارسونزية وهو القادم من المغرب بميول يسارية؟
اللقاء الخامس:
حملتُ هذا السؤال في رأسي، ورجعت إلى مكتبتي أبحث عن كتاب اقتنيته قبل أشهر من مكتبة الألفية "محمد جسوس: من القرويين إلى برينستون (سيرة ذاتية)" (2024)، وهي سلسلة حوارات نشرت في الأحداث المغربية وجمعها مرة أخرى ذ. عمر بنعياش، الرجل الذي يتحلى بنقاء قديم ونادر في وفائه لأعمال جسوس. خصصت ساعات خلال هذا الشهر لقراءتها، فأخذتني سيرة جسوس حقا إلى عالَم محمد جسوس، وتمنيت لو قرأتها منذ البداية، إنها خريطة طريق إلى أفكاره، حتى أني تساءلت: ألأ تظل قراءاتنا للمشاريع الفكرية غير مكتملة إذ نغفل قراءتها صحبة سيرة أصحابها؟ هذه السيرة أعادت تعريف محمد جسوس عندي، خاصة لرجل لم ينذر نفسه للكتابة، سيرة غنية بالأحداث والشخصيات والمؤسسات والأخبار والمواقف والأفكار، وتكرّس قيمة ومكانة جسوس بعيدا عن الكليشيهات التي نسمعها هنا أو هناك.
اللقاء السادس:
خلال هذا الشهر، عزمت أن أقرأ بعض الأعمال الأدبية من مكتبتي، أكسر بها إيقاع العمل المعتاد وأقطع بها شريط متابعة أخبار الحرب هناك. ومن جملة الأعمال، لفتت انتباهي في الرّف مجموعة قصصية بعنوان "الخميس" (2024) للكاتب المغربي محمد الأشعري بغلاف أنيق كعادة دار المتوسط في أغلفتها الفنية. سحبت المجموعة وقررت أن أبدأ بالقصة التي تحمل عنوان المجموعة (في العادة عنوان المجموعة يكون عنوان إحدى القصص، وغالبا أجودها)، قصة "الخميس"، وإذ أقرؤها، فإذا جسوس الذي تركت كتبه فوق الطاولة يخرج إليّ منها، القصة عن جنازة محمد جسوس!! في ثوب تخيّلي مما يجيده الأشعري الشاعر والروائي، قرأتها ثلاث مرات، وأحببتها، وأقتبس منها فقرتان:
1)"المرحوم كان يلعب التوتي من حين لآخر بالطريقة «الفاسية» التي كان يُلْعَب بها التوتي في بيوت فاس، بهدوء التجار المَهَرَة، وبهرجة الذين لا يحبّون الخسارة ... وعندما يترك طاولة اللعب يعود إلى السياسة، يعود إلى «النموقراطية» و «التضبيع»، إلى الذي صعد إلى «العمارية» وإلى الذي نزل منها، إلى الذي أجلسوه في السُّدَّة مثل المختون، و«اللي يتسنى حسن من اللي يَتْمنى، واللي يَتْمَنَّى حْسَن من اللي يقطع لياس» يعود إلى «التقشاب» على السلطة والمجتمع وأصحابنا (معتدلهم ومتطرّفهم)."
2) "كان المرحوم ملاكاً على طريقته، يُفْنِي نفسه متعبّداً في أيّ عمل يباشره، ثمّ يستعيد الحياة بحَفْنَة من الانفيتامينات، ويحمل معه لكلّ اجتماع كرّاسات ضخمة وعشرات الأقلام الملوّنة كأنه سيكتب الحياة بأكملها، ويضع سبع مربّعات سُكّر في فنجان قهوته، يحبّ الضحك والحلوى حتّى إنه يغضب ضاحكاً، ويصالح نفسه بالتهام طبق حلويات، ولا يهتمّ بمَنْ فسد أو صلح من الناس، ولا يعرف أحد شيئاً عن همومه الخاصّة، وأغلب الظنّ أنه مثل الملائكة كلّهم لم تكن له هموم خاصّة."






