سياسة واقتصاد

إيران الحكاية التي لم تُرو بعد

عبد الرفيع حمضي

في السياسة، كثيرا ما تشرح الحكايات، ما تعجز التحليلات الباردة عن تفسيره. ذلك أن الحكاية، مهما بدت بسيطة، قد تحمل في طياتها مفاتيح لفهم ما يبدو معقدا ومتشابكا. ولهذا كلما اشتدت الأزمات في الشرق الأوسط، عادت حكايات قديمة لتطفو من جديد، وكأنها تذكرنا بأن ما يحدث اليوم إنما تعود جذوره إلى أزمنة أبعد مما نظن.

الحكاية الأولى يرويها وزير الدولة وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، آلان جوبيه. ومفادها أن الطموح النووي الإيراني لم يولد مع نظام الخميني بعد « الثورة » . بل القصة تعود إلى زمن الشاه محمد رضا بهلوي، حين كانت المنطقة تعيش على وقع سباق صامت نحو القوة. فقد امتلكت إسرائيل السلاح النووي بدعم فرنسي، وتمكنت باكستان بدورها من امتلاك القنبلة في ظروف دولية أقل صرامة مما هي عليه اليوم، فيما كانت تركيا تتمتع بمظلة نووية بحكم عضويتها في حلف شمال الأطلسي.

وسط هذه التحولات، كان الشاه ينظر بقلق إلى خريطة التوازنات الجديدة. فالدولة التي تطمح إلى أن تكون قوة إقليمية لا يمكنها أن تقف خارج معادلات الردع. ومن هنا بدأ المشروع النووي الإيراني بالتعاون مع فرنسا. فأنشئت شركات، ودفعت أموال طائلة، وكان التصور أن تتطور التكنولوجيا هناك قبل أن تنتقل لاحقا إلى إيران.

لكن التاريخ، كان يخفي مفاجأة غير متوقعة.

جاءت سنة 1979، وسقط الشاه فجأة. وبينما كان الجميع ينتظر ثمرة المشروع النووي، حطت بطهران طائرة فرنسية قادمة من باريس وعلى متنها رجل سيغير مسار البلاد: آية الله الخميني.

ويضيف المسؤول الفرنسي السامي :في البداية، تبنى الرجل موقفا مبدئيا واضحا. فقد اعتبر أن السلاح النووي يتعارض مع القيم الدينية، وأن امتلاكه أمر محرم. وعلى هذا الأساس، طلب من الفرنسيين وقف المشروع وإعادة الأموال التي دفعتها إيران.

لكن الفرنسيين لم يعيدوا الأموال، وتلك حكاية اخرى .

ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، تلك الحرب الطويلة التي غيرت الكثير من القناعات داخل طهران. هناك بدأ التفكير يتبدل، فقد اكتشف الإيرانيون أن العالم تحكمه، في النهاية، موازين القوة. ومن هنا عاد المشروع النووي الإيراني إلى الحياة، بدعوى أن الضرورات تبيح المحظورات، لكن هذه المرة في سياق جديد تماما.

أما الحكاية الأخرى، فيرويها الدكتور محمد حسن البرغوثي، سفير الجماهيرية الليبية بالأردن، الذي كان ضمن وفد ليبي زار إيران في السنة الأولى للثورة، في زمن كان فيه العقيد معمر القذافي في أوج حضوره السياسي.

يحكي البرغوثي أن أحد أعضاء الوفد طرح على الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر، سؤالا بدا لغويا في ظاهره، لكنه كان سياسيا في عمقه: لماذا تصر إيران على تسمية الخليج بـ”الفارسي”، بينما يصر العرب على تسميته “العربي”؟

جاء الجواب هادئا، وربما ساخرا قليلا:

“هذا الخليج ليس فارسيا ولا عربيا… إنه، إلى الآن، خليج أمريكي.”

في تلك الجملة القصيرة تختبئ رؤية جيوسياسية كاملة.

فإيران، منذ عقود، تنظر إلى الخليج لا باعتباره مجرد مساحة مائية بين ضفتين، بل باعتباره قلب الصراع على النفوذ في المنطقة، ومجالا حيويا لتوازنات القوة. 

ولهذا اختارت إيران، طوال سنوات، أن تتحرك في هذا الفضاء بحذر شديد. لم تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة في الخليج، بل فضلت أدوات أخرى: النفوذ السياسي، والشبكات الإقليمية، والقوى الحليفة التي تشكل امتدادات غير مباشرة لنفوذها.

كانت تتحرك دائما من خلف الستار.

لكن ما يحدث اليوم قد يكون بداية مرحلة مختلفة.

فالحرب الدائرة الآن، بكل ما تحمله من تصعيد غير مسبوق، قد تكون كسرت ذلك الحاجز النفسي والسياسي الذي جعل إيران تتردد طويلا قبل أن تتحرك عسكريا في فضاء الخليج.

وهنا يبرز السؤال الكبير: هل فتحت هذه الحرب الباب أمام واقع جديد؟ هل أصبح الخليج، بعد كل ما جرى، ساحة مفتوحة أمام إيران لتتحرك فيها مباشرة، لا عبر القوة الناعمة فقط ؟

لا أحد يعرف كيف ستنتهي هذه المواجهة. ربما تتوقف قريبا، وربما تطول. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لا يعود أبدا إلى ما كان عليه بعد كل حرب.

وربما يكون ما يحدث اليوم… مجرد بداية لحكايات التي لم ترو بعد.