يعد الكاتب والناقد المغربي نجيب طلال من الأصوات النقدية المتميزة في الساحة المسرحية المغربية، فقد حرص من خلال مقالاته ودراساته على مساءلة واقع المسرح المغربي، وكشف اختلالاته، منتقدا مظاهر المجاملة الثقافية وهيمنة العلاقات الشخصية، في بعض الفعاليات والمهرجانات المسرحية، كما دعا باستمرار إلى إعادة الاعتبار للفعل المسرحي بوصفه مشروعا فكريا وجماليا، يتجاوز حدود الترفيه السطحي، إلى فضاء للإبداع والتفكير النقدي، وهذا الأمر انعكس كقناعة في مجال الكتابة عند الأستاذ الناقد نجيب طلال الذي لم يقتصر على دراسة الشأن المسرحي المغربي فقط، بل رصد جملة من الأعمال المسرحية خاصة في العراق سواء كانت نصوصا أو عروضا محاولا ربطها بالسياق الثقافي وجدلية الواقع بعد حرب الخليج الثانية، كما أنه اهتم بالتوثيق لبعض المسرحين المغاربة كمحمد تيمد ، إضافة إلى قدرته الفائقة في إبداع نصوص مسرحية، وأخرى قصصية، وكل هذه الأعمال تؤكد على نبوغ الأستاذ نجيب طلال، وقدرته على خلق انسجام فني بين الكتابة الإبداعية بمختلف أجناسها، وكذا الدراسة النقدية المتخصصة.
ولعل خبرته في السرد والحكي تمنحه حسا جماليا يجعله أكثر قربا من روح النص الأدبي، بينما يزوده اشتغاله النقدي بأدوات التحليل والتأويل التي تعمق فهمه لبنية النصوص ودلالاتها، وهذا التداخل بين التجربتين يتيح له إنتاج كتابة منسجمة تجمع بين حساسية المبدع ودقة الناقد، فالكتابة النقدية لا تبدو عنده منفصلة عن التجربة الإبداعية، بل امتدادا لها للتأمل فيها وتفكيك آلياتها الجمالية والفكرية، لذلك تشكل مختلف أعماله نموذجا لوعي أدبي يجمع بين الخيال والتحليل، ويؤكد أن الإبداع والنقد مساران متكاملات في خدمة الأدب والفن، وفي إطار دينامية التأليف في المجال المسرحي، صدر للناقد والكاتب المغربي نجيب طلال، كتاب جديد بعنوان " لهيب الركح المسرحي" ، وهو كتاب توثيقي لمسار الفنان "أحمد جواد" مع التركيز على وضعية الفنان الذي وضع حدا لحياته بالاحتراق أمام وزارة الثقافة، احتجاجا على الحالة الاجتماعية والنفسية والفنية التي انتهى إليها.
فالكتاب من خلال هذا الحدث المأساوي يرصد بصيغة العموم بعض الوقائع الصادمة التي تعكس حجم الإحباط الذي قد يطال بعض المبدعين، خاصة حين تتحول الاحتجاجات إلى تراجيديا واقعية. تختزل واقع الممارسة المسرحية في أبعادها الفنية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية.
إن عنوان الكتاب "لهيب الركح المسرحي" يشكل بنية دلالية كثيفة تقوم على توثر رمزي بين مفردتي " اللهيب" و" الركح"، فمفردة اللهيب تحيل في المستوى الدلالي للعنوان على الطاقة المتقدة، والتحول والاحتراق بوصفه لحظة قصوى من الانفعال والتوتر، بينما يشير "الركح المسرحي" إلى الحيز الرمزي الذي تتجسد فيه الأفعال الإنسانية، وتعرض فيه التوترات الاجتماعية والثقافية أمام المتلقي، ومن منظور سيميائي يتأسس العنوان على علاقة مجازية تجعل من المسرح فضاء للاشتعال الرمزي، حيث تتحول التجربة الإبداعية إلى فعل إحتراق جمالي ومعرفي، بما يحمله من توهج وإضاءة للواقع، غير أن هذا التركيب الدلالي يكتسب بعدا تأويليا أكثر مأساوية في ضوء حادثة إقدام الفنان المغربي أحمد جواد على إحراق نفسه أمام وزارة الثقافة المغربية إحتجاجا على أوضاعه الاجتماعية والمهنية، ليغدو اللهيب من خلال هذا الحدث، علامة سيميائية تتجاوز بعدها الاستعاري لتلامس الواقع المأساوي، ويتحول جسد الفنان نفسه إلى "ركح" للاحتراق والرفض، وبذلك ينفتح العنوان على قراءة مزدوجة :
قراءة جمالية ترى في اللهيب استعارة لحرارة الفعل المسرحي وقدرته على الإضاءة والكشف.
وقراءة نقدية ترى في اللهيب مؤشرا على الاحتراق الرمزي والمادي الذي قد يطال الفنان بصفة عامة في سياق هشاشة البنية الثقافية.
وبهذا المعنى يصبح العنوان علامة مركبة تجمع بين الدال الإبداعي والدال الاحتجاجي، ويكشف عن مفارقة سيميائية، مفادها أن الركح الذي يفترض أن يكون فضاء للتعبير الفني، قد يمتد خارج حدوده، ليصبح الواقع ذاته مسرحا لدراما الاحتراق الإنساني ضمن مفهوم شامل وهو مفهوم " التراجيديا باعتبارها بحثا في الشرط الإنساني وفي أوضاع الوجود البشري، وصولا إلى المأساوية الحديثة ، ويصبح الاحتراق في التصور الجمالي مرتبط بالتجربة التراجيدية بوصفها لحظة قصوى من التوتر الإنساني، ليبلغ الصراع بين الفرد والواقع، أو بين الإرادة والقدرة ذروته، فالتصور السيميائي يحيل الاحتراق إلى فعل التحول الجذري والانفجار الدلالي وينتقل الجسد أو الكيان من حالة الوجود المستقر إلى حالة الفناء أو التطهر، وهو ما يقارب مفهوم التطهير (الكاتارسيس)، الذي نظر له أرسطو في كتابه "فن الشعر"، حيث تتحقق التراجيديا عبر إثارة الخوف والشفقة وصولا إلى تطهير المتلقي من انفعالاته، وفي هذا السياق يصبح الاحتراق علامة سيميائية مكثفة للتراجيديا لأنه يجسد الفعل الذي تتقاطع فيه المعاناة مع الدلالة الرمزية، فالنار ليست مجرد عنصر مادي بل رمزا للتطهر، وعند إسقاط هذا المعنى على الخطاب المسرحي / النقدي، يمكن النظر إلى الاحتراق بوصفه تجسيدا دراميا لانهيار التوازن بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي، فيتحول جسد الفنان إلى علامة احتجاجية أو صرخة مأساوية ضد واقع مأزوم، وفي هذا الإطار تستحضر التراجيديا نماذج إنسانية تواجه مصيرا قاسيا أو واقعا لا يحتمل، فيتحول الفعل التراجيدي إلى لحظة تضحية قصوى، وهو ما نجده في كثير من الأساطير التي تتجلى فيها النار بوصفها أداة تطهير أو عقاب أو تحرر أو كشف للحقيقة، مثل أسطورة بروميثيوس الذي سرق نار الحكمة، ليجد نفسه في قلعة سوداء مظلمة، ويتعرض لأبشع عقاب، وتتجلى النار كذلك من خلال أسطورة طائر الفينيق الذي يختار الاحتراق من أجل التجدد والانبعاث، ولعل احتراق الفنان المسرحي احمد جواد، لم يعد مجرد حدث مأساوي شاهده كثير من الناس، بل يمكن قراءة هذا الفعل بوصفه إحتراقا رمزيا تجريبيا على الركح الواقعي للسياسة الثقافية المغربية خاصة في مجال المسرح، إذ يتحول جسد الفنان نفسه إلى علامة سيميائية للصراع والتوتر بين الإبداع والواقع، ويعكس هذا الفعل تصور رولان بارت، حيث يصبح الجسد الحي أو الفاعل الإنساني ناقلا للمعنى، ومعبرا عن أزمة مجتمع بأكمله.
الكتابة بين السياق والرؤية
يستفاد من تصور الناقد نجيب طلال في كتابه "لهيب الركح المسرحي" إلى أن الكتابة النقدية لا تقتصر على التحليل والتمحيص فقط، بل تمتد أحيانا إلى إثارة الانتباه بحرقة لمصائر مأساوية يختارها بعض الفنانين، مثل الحسين حوري واحمد جواد، لتصبح الرؤية النقدية عند المؤلف عبارة عن مزيد من التحليل المنهجي العميق، والقراءة الإنسانية والاجتماعية للواقع الفني، فاختيار الأستاذ نجيب طلال تناول حادثة إحتراق الفنان أحمد جواد في كتابه ليس مجرد تأريخ لحدث مأساوي، بل تأويلا سيميائيا وتراجيديا للفعل نفسه، فالكتابة النقدية لا يجب أن تكون محايدة، بل وسيلة لإثارة الانتباه إلى النهايات المأساوية التي قد يصل إليها الفنان حين يواجه واقعا يقمع الإبداع، كما أن الأستاذ نجيب طلال يبني كتابه على قراءات متعددة للحدث الواحد، فهو في الآن ذاته تأريخ لحياة المسرحي وجهاده الفني، وتحليل إجتماعي وفلسفي لظاهرة الاحتراق الانتحاري، ونقد ضمني للمؤسسات الفنية والسياسية التي ساهمت وفق الأستاذ طلال في دفع الفنان إلى لحظة الاحتراق المأساوية والعلنية، ومن خلال التصور الذي يؤسس له المؤلف في هذا الكتاب تبرز إشكالية عميقة، مرتبطة بجنس المؤلف، فكتاب "لهيب الركح المسرحي" هو نموذج للكتابة النقدية التي تمزج بين البلاغة السردية، والتحليل النقدي، والتأمل السوسيو ثقافي، ذلك أن الوقائع المسرحية والإنسانية تتحول إلى نص أدبي ذو دلالة مزدوجة (السرد والتأمل الرمزي)، لكننا لا نريد أن نأخذ بهذه المسلمة داخل نمط التأليف في هذا الكتاب، لأننا نحتار نقديا في تأطيره، فهل نحن أمام مؤلف ينتمي إلى ما يسمى بأدب الشهادة؟ أو مؤلف يدخل في سياق أدب الغيرية؟ أو نحن إزاء كتابة توثيقية شبيهة بتقنية الروبورطاج الإعلامي /الصحفي؟
إن الأشكال ينطلق من كون أدب الشهادة هو مفهوم قانوني وتاريخي يحتل مكانة مهمة في الفكر النقدي، وهو جزء من الواقع داخل النص الأدبي، كما أن الشهادة هي رواية حدث، وتكون هذه الرواية أما بتأكيد الحدث أو توثيقه، أو إدانته أو تحليله، وتهدف الشهادة إلى النقل أكثر من التواصل، ويبدو أن كتاب "لهيب الركح المسرحي" لا يقتصر على تقديم شهادة حول حادثة الاحتراق، بل يسعى الناقد إلى تحليل الظروف الثقافية والاجتماعية التي يعيشها الفنان المسرحي، مسلطا الضوء على معاناته مع التهميش وضعف الدعم المؤسساتي، ومن منظور منهجي ينبغي التمييز بين الكتابة التي تنتمي إلى أدب الشهادة، والكتابة التي تندرج ضمن الخطاب النقدي، فأدب الشهادة يقوم أساسا على نقل تجربة شخصية مباشرة أو توثيق حدث عاشه الكاتب أو عايشه بوصفه شاهدا عليه، حيث تتصدر الذات الساردة مركز الخطاب، أما في حالة كتاب "لهيب الركح المسرحي"، فإن تناول قضية الفنان أحمد جواد لا يتم بوصفه شهادة ذاتية خالصة، بل ضمن مقاربة تحليلية تسعى إلى قراءة الحدث في سياقه الثقافي والاجتماعي، واستثماره لمساءلة واقع المسرح ووضعية الفنان داخل الحقل الثقافي.
إن اعتماد الناقد نجيب طلال لبنية التصور الرمزي والأسطوري من خلال الحديث عن رمزية النار، وأسطورة بروميتيوس داخل المسار التوثيقي المرتبط بقضية الفنان أحمد جواد، يكشف عن أفق منهجي، يتجاوز حدود أدب الشهادة بمعناه الضيق، فالنص لا يكتفي بتسجيل الحدث أو نقل معطياته الواقعية، بل يعمل على تأويله عبر شبكة من الرموز والأساطير التي تمنحه بعدا دلاليا وثقافيا أعمق، وفي هذا السياق يمكن استحضار ما يؤكد عليه "بول ريكور"، حين يرى أن التأويل يقوم على نقل الحدث من مستوى الواقع إلى مستوى المعنى" ، أي إدخاله في أفق رمزي يسمح بإعادة فهمه داخل بنية ثقافية أوسع، كما أن توظيف الأسطورة يندرج ضمن ما يسميه كلود ليفي ستراوس بالبعد البنيوي للأسطورة حيث تتحول الوقائع الفردية إلى بنيات رمزية تعكس تصورات المجتمع وقيمه، ومن تم فإن استدعاء أسطورة بروميثيوس، بما تحمله من دلالات التضحية والنار بوصفها رمزا للمعرفة والتمرد، يجعل من الحدث المأساوي موضوعا للتأويل الثقافي، لا مجرد مادة توثيقية، وهو ما يمنح الكتاب طابعا تأمليا نقديا يتجاوز حدود الشهادة إلى مجال القراءة الرمزية والفلسفية للواقع الثقافي المغربي.
إن الكاتب والناقد نجيب طلال، استثمر دينامية الكتابة الصحفية بحكم تجربته المهنية في الحقل الإعلامي، كما استثمر في الآن ذاته خبرته في مجال الكتابة الإبداعية، سواء في القصة أو في المسرح، ليبلور داخل كتابه، صيغة تأليفية مغايرة تقوم على تداخل الأجناس والخطابات، فالنص لا يقتصر على البعد التوثيقي أو الإخباري الذي يميز الكتابة الصحفية، بل يتجاوزه إلى بناء خطاب نقدي يستفيد من حساسية السرد وتقنيات الكتابة الإبداعية، مما يمنحه بعدا تحليليا وتأميليا في مقاربته قضية الفنان أحمد جواد، وبهذا المعنى يؤسس الكاتب أو يؤصل لما يسمى "بالكتابة النقدية التأويلية ذات البعد التوثيقي أو النقد الثقافي التأويلي وهذا النمط لا يكتفي بممارسة النقد المسرحي التقليدي القائم على تحليل النصوص أو العروض، بل يتجاوز ذلك ليجعل من الحدث الثقافي أو الواقعة الاجتماعية موضوعا للتفكير النقدي، وفي هذا الإطار تتحول قضية الفنان أحمد جواد إلى مدخل "تأويلي" لقراءة أوسع لوضعية المسرح، ولعلاقة الفنان بالمؤسسات الثقافية، ويبدو أن الكتاب من الناحية المنهجية يقوم على تداخل ثلاثة مستويات وهي :
المستوى التوثيقي: من خلال استحضار الوقائع والشهادات والمعطيات المرتبطة بالحدث.
المستوى التأويلي الرمزي : عبر توظيف الرموز والأساطير مثل إحالة النار أو أسطور بروميثيوس بما يمنح الحدث بعدا دلاليا يتجاوز واقعيته المباشرة.
المستوى النقدي الثقافي : حيث يصبح الحدث وسيلة لمساءلة البنيات الثقافية والاجتماعية التي تحكم وضعية الفنان داخل الحقل المسرحي.
وبذلك يقترب هذا النمط مما يسميه بول ريكور "بالتأويل الثقافي للواقع"، أي تحويل الحدث من مجرد واقعة، إلى نص قابل للقراءة والتأويل، ويمكن النظر إلى تجربة نجيب طلال في هذا الكتاب بوصفها كتابة نقدية تفاعلية، تجمع بين التوثيق والسرد والتأويل الثقافي، وتؤسس لصيغة نقدية تتجاوز الحدود الصارمة بين الصحافة الثقافية والنقد الأكاديمي والكتابة الإبداعية.
إشكالية المؤسسات الثقافية بين المسؤولية القانونية والتقاعس في مواكبة قضايا الفنانيين المسرحيين.
يعد كتاب " لهيب الركح المسرحي" مرجعا مهما في دراسة واقع المسرح المغربين حيث يناقش بشكل مباشر التحديات التي تواجه الفنان المسرحي، فالكتاب يؤكد ضمنيا أن المؤسسات الثقافية تتقاعس عن القيام بدورها، مما يضع الفنان المسرحي أمام اختبارات صعبة، ولعل الواقع الثقافي المؤسساتي يكشف في العديد من السياقات، عن وجود فجوة واضحة بين الدور المفترض لهذه المؤسسات، وبين ما تقوم به فعليا، حيث يعاني عدد من الفنانين المسرحيين من ضعف المواكبة المؤسساتية، بل ومن تهرب المؤسسات الثقافية من مسؤولياتها القانونية والاجتماعية.
إن الإشكالية الأساسية التي تطرح كقضية جوهرية ضمن هذا الكتاب، تتمثل في التوتر القائم بين الدور المفترض للمؤسسات الثقافية في دعم الفنان المسرحي، ومواكبة قضاياه المهنية والاجتماعية، وبين الواقع الذي يشهد في كثير من الأحيان تقصيرا أو تهربا من هذه المسؤولية، باعتباره مجالا إبداعيا يحتاج إلى بنية مؤسساتية داعمة، ولا يمكن أن يستمر أو يتطور في ظل غياب سياسات ثقافية واضحة وبرامج فعالة لاحتضان الفنانين.
إن دعم المؤسسات الثقافية يمثل أحد الشروط الضرورية لتطوير الإبداع المسرحي، وضمان استمراريته، وضعف الدعم من وزارة الثقافة المغربية أو انتقائيته، يشكل عائقا أمام استمرارية وتطور المسرح الوطني، ومعالجة هذه الإشكالية تتطلب إعادة النظر في السياسات الثقافية، من خلال وضع برامج دعم واضحة ومنتظمة، وتعزيز الحوار بين الوزارة والفنانين والمؤسسات المسرحية، فالمسرح بوصفه فضاء للإبداع والنقد الاجتماعي، يحتاج إلى منظومة مؤسساتية قوية ومستقرة لضمان استدامته، وحماية الفنانين الذين يمثلون ركيزة ثقافية حيوية، ويمكن أن ينظر إلى حادثة الفنان المسرحي المغربي، أحمد جواد كنموذج، درامي وتجريبي يعكس عمق الأزمة المؤسسية في الحقل المسرحي، ففي نهاية مارس سنة 2023، أقدم الفنان المسرحي علي إضرام النار في جسده أمام مقر وزارة الثقافة بالرباط، تزامنا مع اليوم العالمي للمسرح احتجاجا على ما اعتبره تهميشا وإقصاء وحرمانا من الدعم الكافي من الوزارة، لاسيما فيما يتعلق بالمعاشات الهزيلة بعد تقاعده، وكذلك بسبب شعوره بعدم الاستجابة لمطالبه المرتبطة بالأعمال المسرحية التي قدمها طيلة مسيرته المهنية، وهذا الفعل الاستثنائي الذي أسفر لاحقا عن وفاته متأثرا بجراحه، لا يمكن اختزاله في مجرد "انتحار فردي"، بل هو صوت احتجاج مؤلم يعكس انعدام قنوات تواصل فعالة بين الجهات المسؤولة والفنانين، وخاصة أولئك الذي لا ينتمون إلى ما يعرف بالوسط الثقافي الرئيسي، أو الشبكات القريبة من المؤسسات الثقافية، ولعل الناقد نجيب طلال يحث بطريقة ضمنية المؤسسات الثقافية الوصية، أن تتبنى استراتيجيات شاملة لدعم المسرح والمسرحيين، تشمل التمويل المنتظم وتطوير البنى التحتية، وتوفير برامج تدريبية وتأهيلية، وضمان حماية الفنانين اجتماعيا ومهنيا، وتفعيل هذه السياسات ليست فقط مطلبا للفنانين، بل هو شرط أساسي لإحياء الحركة المسرحية المغربية، وتعزيز دورها كفضاء ثقافي واجتماعي قادر على المساهمة في بناء وعي جماعي، وإثراء الحياة الفنية الوطنية.
خاتمـــــــــــــة :
من خلال قراءة كتابة نجيب طلال: "لهيب الركح المسرحي" وإعادة توثيق قضية انتحار الفنان " أحمد جواد" احتراقا أمام وزارة الثقافة المغربية، يظهر جليا أن الناقد لم يكتف برصد مأساة الفنان فحسب، بل حاول تمثل عودته الرمزية إلى الحياة، وكأنه طائر الفينيق الذي ينبعث من الرماد، وهذه الصورة الرمزية تعكس عمق الإشكالية التي يطرحها نجيب طلال، حول المسرح المغربي وعلاقته بالمؤسسات الثقافية الوصية على القطاع.
إن قراءة الناقد لهذه الواقعة تتجاوز الحدث الفردي لتصبح رمزا لحاجة الفنان المغربي إلى رعاية واحتضان حقيقي، بحيث لا يقتصر الدعم على الاعتراف الأكاديمي أو الشعارات الرسمية، بل يشمل تمويل الإنتاج، وتطوير البنيات التحتية، والحماية الاجتماعية، وتعزيز مكانة المسرح كفضاء للإبداع المستدام.
بهذا المعنى تتحول مأساة الفنان أحمد جواد إلى درس ثقافي ومسرحي، يعيد طرح سؤال استمرارية الفعل المسرحي في مواجهة التهميش المؤسسي، ويؤكد على ضرورة أن تكون المؤسسات الثقافية، وعلى رأسها وزارة الثقافة رافعة حقيقية للحياة الإبداعية لا مجرد مراقب صامت أو متفرج على رماد الاحتراق. حيث يؤكد الناقد نجيب طلال على أن المسرح والفنان مرتبطان برمز الحياة والتجدد، فكما ينهض الفينيق من النار، يمكن للفنان المغربي أن يعيد إشعال الركح إذا توفرت له البيئة الداعمة، مما يجعل من هذه الأزمة فرص لإعادة التفكير في السياسات الثقافية، وضمان استدامة الإبداع المسرحي الوطني.






