رياضة

هل النصر لحظة عاطفية… أم مدخل لبناء أفق سياسي؟

فاطمة فوزي
في لحظاتٍ استثنائية، لا يعود الانتصار مجرد نتيجة رياضية، بل يتحول إلى طاقة رمزية كثيفة، تكشف ما يختزنه المجتمع من إمكانات كامنة. ما حققه المنتخب المغربي لكرة القدم ليس فقط فوزًا في رقعة اللعب، بل تعبير ملموس عن أن النجاح ليس صدفة، بل نتيجة شروط واضحة حين تتوفر الإرادة لتجميعها.

لقد لمست الجماهير، بوعي أو بدونه، أن هذا النصر لم يأتِ من فراغ، بل تأسس على مجموعة من الشروط الحاسمة:

أولها وضوح الرؤية، حيث لم يعد العمل ارتجاليًا بل مؤطرًا بهدف استراتيجي طويل المدى.

ثانيها الاستثمار في التكوين، من خلال العناية بالفئات الصغرى وصناعة اللاعب قبل البحث عن النتيجة.

ثالثها الاحترافية في التدبير، بما يعنيه ذلك من كفاءة في التسيير واتخاذ القرار بعيدًا عن العشوائية.

رابعها ربط المسؤولية بالمحاسبة، حيث يصبح الأداء معيارًا للاستمرار أو التغيير.

خامسها الانضباط الجماعي، الذي جعل من الفريق وحدة متماسكة تتجاوز الفردانية.

وسادسها الاستثمار في الإنسان، باعتباره الثروة الحقيقية لأي مشروع ناجح.

النصر لا يُختزل في 90 دقيقة، ولا في منصة تتويج تحت إشراف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بل في المنظومة التي صنعته: تخطيط، تكوين، انضباط، وربط واضح بين المسؤولية والمحاسبة. وهي نفس الشروط التي تغيب، أو تُغيَّب، حين يتعلق الأمر بقضايا أكثر إلحاحًا: المدرسة العمومية، المستشفى، وكرامة العاملات والعمال. هنا يتحول الانتصار إلى مرآة. مرآة تُرينا ما يمكن أن نكونه… وتفضح في الآن ذاته ما لم ننجح بعد في تحقيقه.

فإذا كان المنتخب قد انتصر لأنه استثمر في الإنسان قبل كل شيء، فهل يمكن لهذا المنطق أن يصبح سياسة عمومية؟

إذا كانت المواهب قد صُنعت عبر التكوين والتأطير، فكيف تُترك طاقات الشباب في الهامش دون رعاية أو أفق؟

وإذا كان النجاح قد تحقق بمنطق الاستحقاق، فهل يغيب هذا المنطق في توزيع الفرص والحقوق؟

هذه الشروط، في جوهرها، ليست رياضية فقط… بل سياسية بامتياز. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا تنجح هذه القواعد داخل الملعب، وتتعثر خارجه؟

ففي الوقت الذي نحتفي فيه بالكأس تحت إشراف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، تعيش فئات واسعة من المجتمع ضغطًا يوميًا متزايدًا. أسعار الخضر والفواكه تعرف ارتفاعًا يرهق القدرة الشرائية، والمحروقات تسجل مستويات مقلقة تنعكس على كل تفاصيل العيش، ويشتد هذا الوضع خلال شهر رمضان، حيث تتحول الحياة اليومية لكثير من الأسر إلى تدبير قاسٍ بين الضروري والممكن. وعلى المستوى الإقليمي، تتواصل الحروب في الخليج، بما تحمله من تداعيات اقتصادية تزيد من تعقيد الوضع.

هنا يتجلى التناقض الصارخ: مجتمع قادر على إنتاج النصر حين تتوفر الشروط… ومجتمع يُترك لمواجهة الأزمات حين تُغيَّب نفس الشروط. هذا التناقض ليس قدرًا، بل نتيجة اختيارات، اختيارات تفصل بين منطق النجاح في الرياضة ومنطق التدبير في السياسات العمومية، وتُبقي على نفس الأعطاب التي تُثقل كاهل المواطنات والمواطنين.

من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع النصر كحدث معزول، بل كمدخل لتحليل أعمق. إما أن يتحول إلى لحظة فرح عابرة تُستهلك في الاحتفال، أو أن يصبح رافعة لبناء وعي نقدي يربط بين ما تحقق في الملعب وما يجب أن يتحقق في المجتمع.

الرهان اليوم ليس في الاحتفال فقط، بل في تسييس الفرح، في تحويل هذه اللحظة إلى قوة ضغط من أجل سياسات عمومية عادلة، ومن أجل إعادة توزيع الثروة، ومن أجل جعل الكرامة الاجتماعية أولوية لا شعارًا.

لقد أثبت المنتخب المغربي لكرة القدم أن النصر ليس معجزة، بل نتيجة شروط موضوعية. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل نملك الجرأة لنطالب بتعميم هذه الشروط خارج الملعب؟

بين لحظة الفرح وإكراهات الواقع، يتحدد المعنى الحقيقي لهذا الانتصار. إما أن يبقى لحظة عاطفية عابرة، أو أن يتحول إلى مدخل لبناء أفق سياسي جديد، قوامه العدالة، والمساواة، والكرامة. وحده هذا الاختيار… هو ما سيحسم إن كنا قد انتصرنا فعلًا.