رأي

محمد خوخشاني: دوامة إيران.. عندما يقود منطق التصعيد إلى طريق مسدود

لقد اعتدنا في التاريخ القريب على أزمات دولية مضبوطة الإيقاع، وتوازنات رعب هشة، وإن كانت خطيرة، إلا أنها تمنع الانهيار الكامل للمنظومة الدولية. لكن السيناريو الذي يتشكل اليوم، بدفع من إدارة أمريكية تتحرك تحت الضغط الاستراتيجي الإسرائيلي، هو من طبيعة مختلفة. لم يعد الأمر يتعلق بتصعيد لفظي أو ضربات محدودة، بل بقطيعة أحادية الجانب مع قواعد اللعبة الدبلوماسية. إن الولايات المتحدة، دونغ دونالد ترامب، قد عبرت نهرًا خطيرًا بشنها عملاً عسكريًا ضد إيران دون موافقة الكونغرس، ودون استشارة مجلس الأمن الدولي، ودون تنسيق مع الحلفاء التاريخيين مثل الاتحاد الأوروبي أو اليابان.

والآن، ينغلق الفخ. إن إغلاق مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي، لا يخنق المعتدي، بل يخنق الكوكب بأسره. وهنا يكمن المأزق الحقيقي لواشنطن: فالاستغاثة التي وجهتها إلى حلف الناتو، والأوروبيين، واليابان، وحتى الصين، تصطدم بجدار من الرفض القاطع. لا أحد يرغب في الانغماس في هذا المستنقع. هذا الوضع غير المسبوق يفرض علينا تحليلاً باردًا وواقعيًا للسبل الممكنة للخروج من هذه الأزمة، وللنظام العالمي الجديد الذي سيبرز حتمًا من تحت هذا الركام.

1. المأزق الاستراتيجي الأمريكي: ثمن الأحادية.

دونالد ترامب، الذي اعتاد على لغة القوة والتهديدات، يجد نفسه الآن في زاوية ضيقة. لقد ظن أنه قادر على استخدام الأداة العسكرية كورقة ضغط قصوى، لكنه قلل من قدرة إيران على الصمود، فهي دولة تعدّت أربعين عامًا وهي تستعد لسيناريو كهذا. في ظل رفض "الشركاء"، هناك سبيلان مطروحان أمامه.

الأول، وهو الأكثر عقلانية، هو "خروج مشرف" عبر التفاوض تحت الإكراه. الضغط الاقتصادي الهائل على الصين وأوروبا، وهما أول المتضررين من إغلاق المضيق، قد يرغمهما على لعب دور الوسيط. في هذه الحالة، ستكون بكين أو موسكو هما من تقدمان لترامب مخرجًا: إعادة فتح الممرات البحرية مقابل تجميد الأعمال العدائية وتقديم ضمانات لطهران. سيكون ذلك إهانة استراتيجية مقنعة في ثوب اتفاق سلام، لكنه سيكون الخيار الوحيد لتجنب كارثة عسكرية طويلة الأمد.

الثاني، وهو الأكثر انسجامًا مع نفسية الفاعل، هو التصعيد اليائس. في مواجهة العزلة، قد يأمر ترامب بضربات عنيفة غير مسبوقة ضد المنشآت النووية أو النفطية الإيرانية، على أمل انهيار سريع للنظام. هذا رهان جنوني. لقد أثبتت إيران قدرتها على شن حرب غير متكافكة شاملة، قادرة على استنزاف القوات الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

2. إسرائيل وإغراء "الكل أو لا شيء".

بالنسبة لبنيامين نتنياهو، يمثل هذا السيناريو تتويجًا لمسيرة استمرت أربعين عامًا: رؤية الولايات المتحدة تقوم بالمهمة نيابة عنه. لكن فشل الحصول على دعم دولي يغير المعادلة. إن الاغتيالات الموجعة للقادة الإيرانيين، مهما كانت مذهلة، لم تسقط النظام.

الورقة الوحيدة المتبقية لإسرائيل هي ورقة خطيرة: توسيع رقعة الصراع لجعله أمرًا لا يمكن تجاهله. لكن هذا لن يؤدي إلا إلى تعميق العزلة. إن الخيار النووي، الذي يلوح به البعض كمحاكاة لهيروشيما، هو سراب خطير. إن استخدام السلاح الذري ضد إيران غير النووية سيجعل من إسرائيل وحليفتها الأمريكية دولًا خارجة على القانون، مما سيحدث قطيعة نهائية مع بقية دول العالم، بما في ذلك أكثر الحلفاء الأوروبيين وفاءً. الردع النووي الإسرائيلي هو أداة للمللاذ الأخير، وليس سلاحًا للغزو.

3. إعادة تشكيل التحالفات: ساعة الحساب.

إذا شعر ترامب بالخيانة من قبل أوروبا أو اليابان أو كندا، فمن طبعه أن يعاقب. الحاضنة الأمريكية قد تتحول إلى قفص اتهام. عقوبات اقتصادية ضد الحلفاء "غير المخلصين"، وانسحاب من ضمانات الأمن، وخروج فعلي من حلف الناتو: هذه هي سبل الانتقام. والمفارقة أن هذا سيكون هدية مجانية لخصومه. أوروبا، التي أصبحت يتيمة المظلة الأمريكية، ستضطر إلى التسلح بشكل كثيف وإعادة تعريف علاقتها مع الصين. واليابان، التي تواجه كوريا الشمالية النووية وهيمنة الصين، ستعيد النظر في دفاعها.

4. النظام العالمي الجديد: ولادة فوضى متعددة الأقطاب.

في نهاية هذا المستنقع، لن يكون العالم كما كان قبل الأزمة.

نهاية الهيمنة الغربية الموحدة: الصدع بين الولايات المتحدة وأوروبا قد اكتمل. لم يعد لمصطلح "الغرب" السياسي أي معنى.

صعود الوسطاء: الصين وروسيا، برفضهما دعم المغامرة الأمريكية، تخرجان معززتين كقوتين وحيدتين قادرتين على الحوار مع جميع الأطراف. مركز الثقل في العالم ينتقل أكثر نحو الشرق.

· إيران المنتصرة في الهزيمة: حتى لو كان البلد مجرحًا، فإن مجرد البقاء والتصدي لهجوم أمريكي-إسرائيلي مشترك، دون حلفاء مباشرين، يمنحه مكانة قوة لا تُقهر. محور المقاومة سيخرج من هذا محفزًا.

خاتمة:

بقدر ما قد يبدو هذا السيناريو افتراضيًا في تفاصيله الدقيقة، إلا أنه يسلط الضوء على حقيقة جيوسياسية أساسية: في عالم مترابط، القوة الخام وحدها لا تكفي. إن الأحادية التي ينتهجها ترامب، والمضللة بعلاقته الخاصة مع نتنياهو، تقود إلى طريق مسدود لا يمكن الخروج منه دون فقدان ماء الوجه. إن إرث هذه الأزمة لن يكون نظامًا عالميًا جديدًا مستقرًا، بل نظامًا دوليًا ممزقًا، حيث يتوجس الحلفاء القدامى من بعضهم، وحيث تبرز أقطاب جديدة في ظل أمريكا أضعفتها خياراتها الخاصة. الجدار الذي يقف عنده ترامب اليوم ليس جدار طهران، بل جدار الواقع الأكثر رعبًا.