مجتمع وحوداث

اقطعوا أذرع الأخطبوط الإيراني قبل أن يخنق العالم

سعيد الكحل (باحث متخصص في الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة والإرهاب)

أعلن الخميني، مع نجاح ثورته في السيطرة على الحكم، عن مشروعه التوسعي عبر رفع شعار "تصدير الثروة" بذريعة "دعم الدول المحرومة والمظلومة" ومحاربة "الاستكبار العالمي" تمهيدا لقيام حكومة "المهدي المنتظر" التي ستحكم العالم كله. وحتى يعطي لمشروعه التخريبي جاذبية "ومشروعية" دينية، رفع الخميني شعار "الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء" عامين بعد اندلاع الحرب الإيرانية العراقية. لأجل هذا وضع الخميني إستراتيجية متعددة الأبعاد:

1 ـ البعد الفكري والإيديولوجي عبر نشر الأفكار والعقائد الشيعية التي تخدم ثورة الخميني كإيديولوجيا ومنهج فكري ومعرفي وعقائدي يجعل "الولي الفقيه" نائب "المهدي المنتظر" خلال غيبته الكبرى إلى حين عودته ليحكم العالم. وقد استغل تعاطف وإعجاب شريحة واسعة من العرب والمسلمين بثورته ضد نظام الشاه رضى بهلوي حتى إن الإعلام واليسار أطلقا عليها "لاهوت التحرير" تأسيا بتجربة أمريكا اللاتينية في المزج بين اللاهوت المسيحي والتحليلات الاجتماعيةـ الاقتصادية الماركسية كرد فعل أخلاقي ضد الفقر والظلم الاجتماعي في المنطقة. إلا أنه لم يزد الإيرانيين إلا فقرا وقهرا وظلما متعدد الأبعاد.

2 ـ البعد الطائفي/المذهبي، بحيث عمل ويعمل نظام الملالي على إذكاء الصراعات المذهبية والطائفية ليسهل تقسيم المجتمعات وتمزيق وحدة الشعوب ونسيجها الثقافي وتدمير مقومات هويتها الوطنية. هكذا تم خلق ميليشيات وتنظيمات طائفية موالية للملالي مثل: حزب الله في لبنان، حزب الله في البحرين، حزب الله في الكويت، الحوثيين في اليمن، كتائب حزب الله والحشد الشعبي في العراق، فضلا عن نشر عقائد التشيع في إفريقيا تمهيد لخلق تنظيمات تمكن النظام الإيراني في العبث بأمن الدول وسيادتها، أو التحالف مع الجماعات الانفصالية (نموذج البوليساريو) لتكون ذراعه الحربية تنفذ مخططاته الإجرامية (زعزعة استقرار المغرب، تهديد الملاحة البحرية).

3 ـ البعد العسكري، إذ يتولى نظام الملالي تدريب وتسليح التنظيمات الموالية له عبر لواء "فيلق القدس" لتكون الأذرع التي يفكك بها الدول العربية (نموذج لبنان، العراق، اليمن سوريا) ويسيطر على قرارها السيادي، ثم يحولها إلى ساحات حروبه ضد أمريكيا وإسرائيل. 

طريق القدس تمر عبر العواصم العربية.

لم يكن تحرير القدس ولا فلسطين هدف نظام الملالي، بقدر ما عمل على استغلال القضية الفلسطينية في تخريب الشعوب العربية وتفتيت دولها للهيمنة عليها خدمة للمشروع الذي أسس له الخميني وأفصح عنه عند استيلائه على الحكم "إن العرب حكموا المسلمين وكذلك الأتراك وحتى الأكراد؛ فلماذا لا يحكم الفرس وهم أعمق تاريخًا وحضارة من كل هؤلاء". هناك حقيقتان تكشفان زيف شعارات الخميني ونظام الملالي:

1 ـ الجرائم الهمجية التي ارتكبها في حق الفلسطينيين في مخيماتهم بلبنان والعراق وسوريا، بالإضافة إلى مواطني تلك الدول عبر ميليشياته المسلحة. وهذا ما اعترفت به فايزة، ابنة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، في لقاء تلفزي مع قناة" Didban Iran TV" من أن "إيران قتلت من المسلمين في سوريا واليمن والعراق أكثر مما قتلت أمريكا وإسرائيل".

2 ـ وصية الخميني إلى ملاليه وقادة نظامه "عندما تنتهي الحرب مع العراق علينا أن نبدأ حربا أخرى. أحلم أن يرفرف علمنا فوق عمان والرياض ودمشق والقاهرة والكويت". كما عثرت القوات العراقية، أثناء الحرب مع إيران، على خريطة في حوزة أحد القتلى الإيرانيين، كانت تتضمن أسهماً لهجوم إيراني مفترض لاحتلال كربلاء، ثم انطلاق هجمات من هناك باتجاه القدس مروراً بالأردن والسعودية. فعقيدة الهيمنة والتوسع تشكل جوهر نظام الملالي ولا يخفيها قادته كما هو واضح من تصريح علي أكبر ولايتي: "جغرافية الخليج لا يمكن أن تبقى بلا عواقب، لا بد أن تحدث تطورات ستنتهي بشكل مؤكد ضد مصلحة من يهددون الأمن القومي الإيراني". وهذا ما تنفذه إيران بإطلاق 85% من الصواريخ والمسيرات على دول الخليج بينما نصيب إسرائيل لا يتجاوز 15% منها فقط. إنها إستراتيجية توسعية واضحة ليس من أولوياتها تحرير القدس. فطريق القدس كانت سالكة وقريبة عبر سوريا تحت نظام بشار الموالي لإيران وأحد الأطراف الأساسيين في "محورة الممانعة". بدل أن يجعل الخميني من مساحة هضبة الجولان (1200كلم مربع) ساحة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي و"طريقا نحو القدس" حتى يعطي الدليل عن صدقية شعاراته، قرر تدمير العراق وسوريا ولبنان واليمن وجر المنطقة إلى الخراب حتى تسهل السيطرة على دولها وشعوبها، بدعم ومباركة من أمريكا التي ظل ينعتها بـ"الشيطان الأكبر". فقد كشفت وثائق "ويكيليكس" أن الاتفاقية التي أبرمها خامنئي وبوش نصت على النقاط التالية:

أولا: تمنح إيران الطائرات الحربية الأمريكية حق استخدام القواعد الجوية الإيرانية في عملياتها، خاصة إذا تعرضت لأعطال أو حالات طوارئ، دون اعتراض السلطات الإيرانية.

ثانيا: تقديم المساعدات للطيران الحربي الأمريكي في حالة سقوط إحدى الطائرات الأمريكية داخل إيران أو قرب حدودها مع العراق، وتأمين الطيار الأمريكي، وإيصاله إلى مأمنه بسلام.

ثالثا: السماح للطيران الحربي الأمريكي باستخدام المجال الجوي الإيراني في عمليات القصف والهجوم على شرقي العراق.

رابعا: دعم القوى الشيعية الحليفة لإيران مثل "فيلق بدر" في قتالها إلى جوار الجيش الأمريكي، والتنسيق الاستخباراتي الميداني بين الطرفين، والتأكيد على أهمية عدم مقاومة القوات الأمريكية في العراق". ومعلوم أن إيران سبق وقدمت معلومات استخباراتية وصورا جوية للمفاعل النووي العراقي (مفاعل تموز) لإسرائيل سنة 1980 بغرض تدميره.

لقد أدرك العالم مدى الخطر الذي تشكله إيران الملالي على دول المنطقة والعالم معا وهي لم تملك بعدُ السلاح النووي، فكيف سيكون وضع شعوب العالم إذا امتلكته؟ لهذا لا خيار أمام الولايات المتحدة وحلفائها إلا إنهاء البرنامج النووي للملالي وقطع أذرع أخطبوطهم حتى لا تمتد بالخنق إلى المضايق والممرات البحرية الحيوية عبر العالم. إن خطر الملالي لا يكمن فقط في سعيهم لامتلاك السلاح النووي، بل كذلك في إستراتيجية تفكيك الدول العربية والتغلغل في الدول الإفريقية الهشة (كينيا، تنزانيا، موزمبيق) عبر، إما إنشاء شبكات وتنظيمات مذهبية موالية لها بالاعتماد على عناصر حزب الله من الجالية اللبنانية التي تتواجد في أفريقيا، أو دعم تنظيمات الحركة الإسلامية والكيانات الانفصالية بالمال والسلاح والتدريب (البوليساريو). إذ كشف عضو البرلمان الأوربي عن الحزب الشعبي انطونيو لوبيز، خلال المنتدى الذي نُظم في العاصمة الإسبانية مدريد بمبادرة من معهد كوردبناداس الاسباني للحكامة والاقتصاد التطبيقي بتاريخ 30 يونيو 2023 (أن تغلغل إيران في منطقة الساحل والصحراء بما في ذلك تزويد انفصالي جبهة البوليساريو بطائرات مسيرة يشكل تهديداً حقيقياً ويتعين على الاتحاد الأوربي مواجهته). إستراتيجية التغلغل هذه تطرق لها بالتفصيل كتاب "التغلغل الإيراني في دول المغرب العربي: الآليات والتداعيات وخيارات المواجهة"، الذي أصدره مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية. إذ يركز الكتاب على الآليات التي يتخذها النظام الإيراني لمحاولة السيطرة على الدول المغاربية (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا)، والخيارات المطروحة لمواجهته سياسيًّا ودبلوماسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.