سياسة واقتصاد

حديث الأربعاء: جيل زد… زمن المؤسسات

عبد الرفيع حمضي

في كل لحظة انتخابية، لا يكون السؤال الحقيقي هو من سيفوز، بل من سيشارك. فالديمقراطية، في جوهرها، ليست مجرد آلية لاختيار النخب، بل هي قبل ذلك تعبير عن درجة انخراط المجتمع في تقرير مصيره. ولعل ما يميز المرحلة الراهنة في المغرب، كما في غيره من الدول، هو هذا التردد الذي بات يطبع علاقة جزء من المواطنين بالفعل السياسي، وخاصة لدى الشباب، حيث الحماس يتقاطع بين الشارع و المنصات الرقمية، في حين يتزايد الفتور تجليا عند صناديق الاقتراع.

إنها لحظة فاصلة: فإما أن الشباب سيبقى موضوعا للسياسات، أو أن يصبح فاعلا فيها.

في حياتنا اليومية، لا نحتاج إلى استطلاعات رأي معقدة لنفهم علاقتنا بالسياسة. فيكفي أن نلتقي في مقهى، أو في فضاء عمل، أو في مناسبة عادية، فرح او قرح او حتى جنازة حتى نجد أن “الأزمة” تحضر تلقائيا. تتدفق الانتقادات للجماعة، وللإدارة، وللبرلمان، وللحكومة. كل واحد يحمل تشخيصا، وأحيانا حلولا جاهزة. لكن ما إن ينتهي النقاش وتطرح أسئلة بسيطة: هل أنت مسجل في اللوائح الانتخابية؟ هل سبق لك أن صوتت؟ حتى يتكشف وجه آخر للحكاية. غالبا ما يكون أكثرنا حدة في النقد أبعدنا عن المشاركة.

ننتقد السياسات، لكننا لا نساهم في صنعها.

وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية: ليست في نقص الوعي، بل في الفجوة بين الوعي والممارسة. فالديمقراطية لا تقاس بحدة النقد، بل بمدى الاستعداد لتحمل كلفته، أي كلفة الانخراط والمشاركة.

لقد علمتنا التجارب الديمقراطية الكبرى أن الشارع كان دائما لحظة تأسيس، لكنه لم يكن أبدا لحظة استقرار. ففي الثورة الفرنسبة كان الغضب الشعبي هو الشرارة، لكن بناء الدولة تم داخل المؤسسات. لم يبق الناس في الشارع، بل انتقلوا إلى الفضاء الذي تصنع فيه القرارات. ولعل وينسون تشرشل احسن القول عندما اعتبر ان الديمقراطية هي نظام غير كامل، لكنه يظل الإطار الوحيد الذي يسمح للمواطن بأن يكون طرفا في القرار، لا مجرد معلق عليه.

في هذا السياق، يبرز ”جيل زد”، جيل لم يعد يقبل أن يظل مجرد موضوع للنقاش العمومي، بل بدأ يحاول ان يفرض نفسه باعتباره طرفا فيه. وقد عبر في الشهور الاخيرة عن قدرته على التعبئة ورفع سقف المطالب المرتبطة بالشغل والتعليم والصحة. لكن المرحلة التي يقف عندها المغرب اليوم تضعه أمام امتحان آخر: ليس فقط أن يرفع صوته، بل أن يحدد موقعه من الفعل السياسي.

ذلك أن الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها في شتنبر 2026 لا تأتي في سياق عادي، بل في ظرفية دولية ووطنية دقيقة، تتسم باضطرابات اقتصادية واجتماعية، وبأسئلة متزايدة حول قدرة الدول على الحفاظ على التوازن والاستقرار. في مثل هذه اللحظات، لا تصبح المشاركة مجرد إجراء انتخابي، بل معيارا لقياس حيوية المجتمع ومؤشرا على نضج الفاعلين، كما أنها عنصر أساسي في بناء الثقة داخليا وتعزيز صورة البلد خارجيا.

فالشارع يرفع الصوت، لكن المؤسسات تصنع القرار. لذلك، فإن التحدي المطروح أمام جيل زد لم يعد هو إثبات القدرة على الاحتجاج، بل إثبات القدرة على الفعل داخل المؤسسات، من خلال التسجيل والتصويت والانخراط والمساهمة في النقاش العمومي من داخل آلياته.

ومن هنا، تبدو هذه الانتخابات لحظة اختبار حقيقية. فالمشاركة ليست مجرد ورقة توضع في صندوق، بل هي التي تمنح للفرد شرعية مساءلة المؤسسات وانتقاد السياسات والاحتجاج عند الحاجة. أما العزوف، فيضعف موقع صاحبه في هذا التعاقد، لأنه يبتعد عن لحظة الاختيار ثم يعترض على نتائجها.

ولا يعني ذلك أن غير المشارك يفقد حقه في التعبير أو الاحتجاج، فهذه حقوق قائمة. لكن المشاركة هي التي تعطي للاحتجاج معناه السياسي الكامل، لأنها تجعل منه امتدادا لمواطنة فاعلة لا تعبيرا معزولا عنها.

لقد دخل المغرب، كما العالم، مرحلة جديدة عنوانها أن الاستقرار لم يعد يقاس فقط بقدرة الدول على ضبط الشارع، بل أيضا بقدرتها على فتح المؤسسات أمام الفاعلين الجدد. وفي قلب هذه المرحلة، يقف الشباب أمام سؤال حاسم: هل يريد أن يبقى خارج اللعبة، مكتفيا بالتعليق، أم أن يدخلها ليصبح شريكا في القرار؟

فالسياسة، في النهاية، ليست ما يقال عنها، بل ما يفعل داخلها.