مجتمع وحوداث

مارس المخادع والحقير.. شهر بلا شرف

عمر لبشيريت (31 مارس اللعين)

مارس في الكيبيك شهرٌ حقود، عنيد، وكذاب. شهرٌ يحترف الكذب يوميًا، ويُصرّ على تعذيب الناس والتلذذ بذلك.

ليس شهر مارس في الكيبيك مجرد محطة عابرة بين الشتاء والربيع، بل هو امتحان يومي للأعصاب، واختبار قاسٍ للصبر. شهرٌ مراوغ بامتياز، يتقن فن الخداع، ويجيد اللعب على حافة الأمل.

يوهمك ببداية الربيع، ونهاية الثلوج والبرودة القطبية والأمطار الجليدية. تستعد لذلك، وتتخفف من ملابسك، وتتمنى أن تودّع الاكتئاب الشتوي، وتخرج كل صباح على أمل أن تجد شمسًا وسماءً صافية، لكنه دائمًا بالمرصاد، ينتظرك في أقرب زاوية من الدرب.

هكذا يتلاعب بنا طيلة 31 يوماً، تصوروا هذا التعذيب طيلة 31 يوما..كل صباح، يقدّم نفسه كرسول للربيع: شمس خجولة، دفء نسبي، وإشارات توحي بأن قبضة الشتاء بدأت ترتخي. يصدّق الناس الوهم، يتخففون من ملابسهم الثقيلة، ويخرجون بأحلام صغيرة نحو الضوء. لكن، في الظهيرة، ينقلب المشهد: سماء مكفهرة، بردٌ مباغت، وعودة فجائية لشتاء لم يرحل أصلًا.

شهر "مافيه ما يتحمل"، تمنيت لو اختفى أو عوض بشهر آخر. مارس هنا ليس شهرًا، بل حالة إنكار جماعي لفصل يرفض المغادرة. وكأنه يختبر قدرة الناس على التحمّل أكثر مما يراعي حاجتهم للاستقرار. وأنا أريد الاستقرار، لا أريد شهر مارس.

أقسمت أن ألعنه، أن أسبه، أن أودعه بالشتائم وهو في آخر أيامه. وها أنا، اليوم، أنتقم منه.

شهر "الدين ديماه" لا يشبه كافة الأشهر. هو مصحة مفتوحة للأمراض النفسية والعصبية. يتحول الطقس معه إلى عامل ضغط نفسي يومي. ينهك الأعصاب، ويعذب النفس. شهر ولد لحرام.

شهرٌ حقير اسمه مارس، لكنه امتداد لشهر فبراير، بل هو فبراير متخفٍّ في ثوب مارس. يمارس الكذب يوميًا؛ يطلق بعض أشعة الشمس في الصباح، وترتفع الحرارة نسبيًا، لكنه في الظهيرة، وبدون إنذار من الأرصاد الجوية، وفي غفلة من الجميع، يضغط على السماء فتتلبد، وتنخفض الحرارة، ويعود الشتاء.

مارس ليس شهرًا، بل عملية احتيال مناخية مفتوحة. يناور طيلة 31 يومًا لكي يوحي بأن الربيع على الأبواب، ويمارس كافة الحيل والمقالب حتى يستمر الشتاء. يتشبث بفصل الشتاء ويمطّطه، ويطلق بين الفينة والأخرى دفئًا وشمسًا، فتعتقد أن أمر الشتاء قد حُسم، وترتفع الحرارة إلى 15 درجة، وفي الغد تستفيق على الثلوج والبرودة.

شهر “دين الكلب”، يحترف تزوير التوقعات الجوية، ويمارس التنويم على الجميع. ينتقل من ناقص 15 درجة إلى عشر درجات هكذا، بدون استئذان ولا سابق علم. يتلاعب بمشاعر الجميع، ويتعمد ذلك؛ يصرّ على تذكير الناس بشهري دجنبر ويناير، ويضغط على شهر أبريل ليُستنسخه.

أكرهه. شهرٌ حمار، نعم هكذا: حمار. اسمه يبعث على الربيع والأمل في توديع اكتئاب الشتاء، والاستعداد لحرارة الصيف، غير أنه دائمًا ما يخرج من تحت عباءته، وفي غفلة من الجميع، عاصفة ثلجية قوية، لا يجرؤ حتى شهرا دجنبر ويناير على اقترافها.

شهرٌ سادي، وبدون أخلاق. في الصباح تبدأ الثلوج في الذوبان، ونشرع في مشاهدة إسفلت الطرقات (حتى الإسفلت نشتاق له)، والعشب النائم تحت البرد. وفي المساء تتلبد السماء، ونستفيق في الغد على البياض يكسو الطرقات والحدائق والسيارات. منظرٌ بشع، يتكهرب مزاجك، وتعود إلى الاكتئاب.

في المغرب يخبرنا المثل الشعبي ألا نثق في “المخزن، والعافية، والواد”، وهنا في الكيبيك تعلمنا ألا نثق، كذلك، في شهر مارس. من أخبث الشهور، لا يستقر على حال: لا هو دافئ ومشمس، ولا هو بارد وغائم، ولا هو معتدل. له ألف وجه، منافق بامتياز.

مارس، في النهاية، ليس مجرد فصل… بل كذبة طويلة تُمارس على الجميع، دون استثناء .مارس، ببساطة، ليس شهرًا عابرًا… بل فصلٌ من الخداع. إلى الجحيم، مارس.