لم يعد السؤال اليوم هو كيف نُعيد إنتاج السرديات الكبرى، بل كيف نتحرر من وهم قدرتها على الاستمرار في تأطير الفعل السياسي وتوجيهه. فقد كشفت التحولات المتسارعة، وطنياً ودولياً، أن هذه السرديات – مهما كانت مرجعياتها إيديولوجية أو هوياتية – قد استنفدت جزءاً كبيراً من طاقتها التفسيرية، بل وأصبحت في كثير من الأحيان عائقاً أمام فهم تعقيد الواقع وتعدد مساراته.
في قلب هذا التحول، تبرز أزمة الديمقراطية التمثيلية باعتبارها أحد أبرز تجليات هذا الانسداد. فهذه الديمقراطية، التي كانت تُقدَّم كأفق نهائي لتنظيم السلطة وتداولها، أضحت عاجزة عن إنتاج الثقة، ومحدودة الأثر في تمثيل الإرادة العامة، ومُعرَّضة للاختزال في تقنيات انتخابية تُفرغ السياسة من بعدها التداولي والمعياري. إنها لم تفشل فقط في تحقيق الوعود، بل ساهمت في إعادة إنتاج نفس البُنى التي كان يُفترض أن تُخضعها للمساءلة.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت استراتيجية النضال الديمقراطي الشامل نوعاً من التآكل البنيوي، إن لم نقل الانقراض الرمزي. فالفكرة التي كانت تقوم على وحدة الفاعل، وتماسك الجبهة، ووضوح الأفق التحرري، لم تعد قابلة للاستنساخ في واقع يتسم بتفكك الحوامل الاجتماعية، وتعدد الفاعلين، وصعود أشكال جديدة من التعبير تتجاوز الأطر التنظيمية التقليدية. لقد انتقلنا من منطق “المشروع الكلي” إلى منطق “القضايا المتفرقة”، ومن مركزية التنظيم إلى سيولة المبادرات؛ غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من مخاطر التفتيت والتشظي، يفتح في الآن ذاته إمكاناً لإعادة التفكير في السياسة خارج ثنائية الهيمنة والفوضى. وهنا تبرز الحاجة إلى استعادة التفكير النقدي، لا كترف نظري، بل كشرط لإعادة بناء المعنى السياسي. تفكير نقدي توقعي، قادر على مساءلة المسلمات، وتفكيك السرديات، واستباق التحولات، دون الارتهان إلى يقينيات جاهزة أو حلول مستوردة.
إن الانتقال من وهم السرديات الكبرى لا يعني السقوط في العدمية، بل يستدعي بناء أفق جديد قوامه “حوكمة التعدد”: أي القدرة على تدبير الاختلاف لا إنكاره، وتأطير التعدد لا قمعه، وتحويل التنوع من مصدر تهديد إلى رافعة لإنتاج المعنى المشترك. في هذا الأفق، لا تعود السياسة مجرد صراع على السلطة، بل تصبح ممارسة لإنتاج القابلية للعيش المشترك، عبر آليات تشاركية تتجاوز حدود التمثيل الكلاسيكي دون أن تسقط في فخ الشعبوية أو التسيب؛ لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم هو في إعادة وصل ما انقطع بين المعرفة والمسؤولية، بين الفعل والتأمل، بين السياسة والأخلاق. فبدون تفكير نقدي يقود السياسة، تتحول هذه الأخيرة إلى مجرد تدبير تقني للأزمات، أو إلى إعادة تدوير للصراعات في صيغ أكثر هشاشة. أما حين تستعيد السياسة بعدها النقدي، فإنها تصبح قادرة على ابتكار ذاتها من جديد، وعلى فتح أفق ديمقراطي يتسع لتعقيد الحاضر دون أن يفقد البوصلة.






