مجتمع وحوداث

تحرير محدود للنقل الخصوصي لحماية القدرة الشرائية

أحمد فردوس (باحث)
تشهد منظومة النقل الحضري في الآونة الأخيرة توترا واضحا بفعل ارتفاع أسعار المحروقات، وهو ما انعكس مباشرة على سلوك بعض مهنيي النقل الذين اتجهوا إلى فرض زيادات غير معلنة خارج أي إطار تنظيمي. هذا الوضع خلق اختلالا في التوازن بين كلفة الخدمة وقدرة المواطن على التحمل، وأعاد طرح سؤال جوهري حول دور الدولة في حماية السوق من الانفلات وضمان حد أدنى من العدالة في الولوج إلى خدمات أساسية مثل التنقل.

وفي هذا السياق، يبرز مقترح الترخيص الاستثنائي للنقل الخصوصي كأداة ممكنة لإعادة ضبط السوق، ليس باعتباره بديلا دائما، وإنما كآلية ظرفية لإحداث توازن سريع بين العرض والطلب. فحين يتسع العرض بشكل منظم ومراقب، تتراجع قدرة أي طرف على فرض تسعيرة أحادية، وتستعيد المنافسة دورها الطبيعي في حماية المستهلك. وهذه المقاربة تجد سندها في تجارب دولية اعتمدت على توسيع قاعدة الفاعلين خلال الأزمات، مع تأمين ذلك بضوابط دقيقة تضمن السلامة والشفافية.

غير أن قوة هذا الحل ترتبط مباشرة بطريقة تنزيله. ذلك أن الترخيص الاستثنائي يحتاج إلى هندسة واضحة تقوم على شروط مهنية صارمة تتمثل في تسجيل مسبق للسائقين وإلزامهم بتأمين خاص بنقل الأشخاص ومراقبة تقنية منتظمة للمركبات مع اعتماد تسعيرة رقمية معلنة، وإحداث آلية فورية لتلقي الشكايات ومعالجتها. وفي هذه الحالة يتحول النقل الخصوصي من نشاط عشوائي إلى خدمة موازية منظمة تساهم في امتصاص الضغط وتخفيف الكلفة على المواطن.

كما أن هذا الإجراء يمنح الحكومة ورقة تنظيمية مهمة، حيث يمكن ربطه زمنيا بظرفية ارتفاع الأسعار وبمؤشرات دقيقة مثل مستوى الطلب أو تطور كلفة المحروقات. وهذا الطابع المؤقت يضمن بقاء التوازن مع المهنيين التقليديين، ويحول دون حدوث صدامات ميدانية أو اختلالات هيكلية داخل القطاع.

ويفتح هذا النقاش، في المقابل، أفقا أوسع يتعلق بضرورة إصلاح منظومة النقل برمتها، عبر الانتقال من منطق الامتيازات المحدودة إلى منطق الخدمة العمومية المبنية على الجودة والتنافسية والشفافية. فالأزمة الحالية تكشف أن أي منظومة مغلقة، تفقد قدرتها على التكيف حينما تتغير المعطيات الاقتصادية.

إن حماية القدرة الشرائية للمواطن تقتضي قرارات جريئة ومؤطرة في الآن نفسه. والترخيص الاستثنائي للنقل الخصوصي، حين يصاغ بشكل مهني دقيق، يقدم نفسه كحل عملي قادر على كبح الزيادات غير القانونية وإعادة الثقة إلى السوق، وضمان حق المواطن في التنقل بتكلفة لاترهق جيبه.