ان البرلمان، بوصفه التعبير الأسمى عن إرادة الأمة، لم يعد في ظل دستور 2011 مجرد فضاء للتداول أو إنتاج القاعدة القانونية، بل أضحى سلطة دستورية قائمة الذات، تمارس اختصاصات تشريعية ورقابية وتقييمية، تندرج ضمن ما يمكن تسميته بوظيفة التأطير الديمقراطي للفعل العمومي، بما يمنحه مشروعيته ويؤطر مساءلته. وفي المقابل، تمارس الحكومة، المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية والحائزة على ثقة مجلس النواب بمقتضى التصويت على تصريحها الحكومي، وظائفها التنفيذية في إطار شرعية مزدوجة؛ انتخابية وسياسية، تجعلها مسؤولة أمام البرلمان مسؤولية سياسية مستمرة إلى نهاية ولايتها، لا تتوقف عند حدود الزمن السياسي المتغير.
وعليه، فإن الهندسة الدستورية التي أقرها دستور 2011 لا تقوم على توزيع ميكانيكي للاختصاصات، بل على منطق مركب يجمع بين الفصل والتعاون والتوازن بين السلط، بما يجعل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب السلطة القضائية، بنية مؤسساتية متكاملة، مؤتمنة على تدبير الشأن العام في مختلف أبعاده، ضمن نسق يرفض منطق الهيمنة كما يرفض منطق التعطيل.
وفي هذا الإطار، تكتسي هذه الدورة الأخيرة أهمية خاصة، لأنها لا تمثل فقط نهاية زمن سياسي، بل لحظة اختبار لمدى استبطان الفاعلين لروح الدستور، من خلال الاستمرار في أداء الوظائف الدستورية بنفس منسوب الجدية والالتزام إلى آخر لحظة من الولاية. فالدستور، في منطقه العميق، لا يؤطر فقط لحظة التنصيب أو بداية الولاية، بل يؤسس لواجب الاستمرارية، باعتباره شرطا في مصداقية المؤسسات وضمانا في استقرار الدولة.
غير أن هذا الاستمرار لا يلغي، بل يفترض وجود تدافع سياسي وتنافس ديمقراطي مشروع، باعتباره من مكونات النسق الديمقراطي الحي. غير أن هذا التدافع، مهما بلغت حدته، يجب أن يظل مؤطرا بقواعد الشرعية الدستورية، ومضبوطا بمنطق المسؤولية، لأن الغاية ليست ترجيح كفة على أخرى، بل صيانة توازن الدولة واستمرارية مؤسساتها. فالأغلبية والمعارضة، رغم تباين المرجعيات والاختيارات، تلتقيان موضوعيا في خدمة الثوابت الوطنية، وفي الإسهام في ترسيخ البناء الديمقراطي.
وإذا كان المسار السياسي والمؤسساتي المغربي قد عرف لحظات توتر وتحولات عميقة، فإن خصوصية التجربة المغربية تكمن في قدرتها على إعادة إنتاج توازناتها من داخل الأزمات، وعلى بناء انتقال ديمقراطي متدرج، يجمع بين الاستمرارية والإصلاح. وهو ما تعزز في ظل دينامية الإصلاحات التي قادتها المؤسسة الملكية، باعتبارها ضامنا لاستمرارية الدولة واستقرارها، وفاعلا محوريا في تأطير التحولات الكبرى للنظام الدستوري.
وعليه، فإن ممثل الأمة، سواء في موقع الأغلبية أو المعارضة، مدعو إلى الارتقاء بأدائه إلى مستوى المسؤولية الدستورية، من خلال تفعيل وظائف التشريع والرقابة والتقييم، والترافع الجاد عن قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية، بعيدا عن منطق الاختزال الانتخابي. كما أن الحكومة، باعتبارها التعبير العملي عن المسؤولية السياسية، مطالبة بالاستمرار في تنفيذ التزاماتها إلى نهاية ولايتها، لأن المسؤولية الدستورية بطبيعتها التزام غير قابل للتجزئة أو التعليق.
إن هذه اللحظة، في عمقها، لا تختزل في كونها نهاية ولاية، بل تمثل مؤشرا على مدى نضج التجربة الديمقراطية، وقدرتها على التوفيق بين منطق التنافس ومنطق الدولة، وبين حركية التدافع السياسي وثبات المرجعية الدستورية.
وحين يتكلم الدستور في لحظات نهاية الولايات، فإنه لا يعلن عن نهاية زمنية بقدر ما يستدعي أقصى درجات الوعي بالمسؤولية. فالمؤسسات لا تقاس فقط بلحظة تأسيسها، بل بمدى قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها بنفس الانضباط والالتزام إلى آخر لحظة من عمرها الدستوري. ومن ثم، فإن البرلمان والحكومة، في هذه المرحلة الدقيقة، ملزمان بتجديد حضورهما الفعلي داخل فضاءات الاشتغال المؤسساتي، وعدم الانزلاق نحو منطق الانسحاب أو تحويل الأولويات نحو الحسابات الانتخابية.
ذلك أن هجر قاعات البرلمان، أو التراخي في تدبير المسؤوليات الحكومية، تحت أي مبرر ظرفي، يشكل في حقيقته انزياحا عن جوهر الالتزام الدستوري، إن لم نقل مساسا بروحه. فالدستور لا يجيز تعليق الواجب بدعوى اقتراب الاستحقاقات، بل يؤسس لالتزام مستمر بخدمة الشأن العام إلى نهاية الولاية.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في ما سيأتي، ولكن في كيفية تدبير ما تبقى. لأن احترام الزمن الدستوري في كليته، حضورا وأداء والتزاما، يشكل معيارا لنضج الممارسة الديمقراطية، وضمانا لاستمرارية الدولة، وصونا لهيبة الدستور باعتباره المرجع الأسمى الذي تستمد منه المؤسسات شرعيتها، والذي لا يقبل أن يختزل في لحظة انتخابية عابرة.






