سياسة واقتصاد

“حكومة الصمود”… حين يتحول الشعار إلى استفزاز اجتماعي

عبد العزيز بن صالح (تدوينة)

ليس أخطر على السياسة من تلك اللحظة التي تنفصل فيها اللغة عن الواقع.

حينها، لا يعود الخطاب مجرد تأويل للأحداث بل يتحول إلى استفزاز مباشر لوعي الناس.

هذا بالضبط ما يحدث مع توصيف عزيز أخنوش لحكومته بـ”حكومة الصمود”.

أي صمود هذا الذي يُطلب من المغاربة تصديقه؟

هل هو صمود الأرقام في تقارير المؤسسات أم صمود المواطن الذي يواجه الغلاء والبطالة وتآكل القدرة الشرائية دون حماية كافية؟

الحكومة ترفع أرقاما تبدو على الورق مطمئنة: نمو اقتصادي في تحسن، تضخم في تراجع، عجز تحت السيطرة، واستثمارات في ارتفاع. لكن هذه الأرقام مهما بدت منسجمة تخفي حقيقة أكثر خشونة: اقتصاد قد يكون صمد… لكن المجتمع يُستنزف حد العظم .

لنضع الأمور في نصابها.

حين يتجاوز معدل البطالة 13%، وحين يجد الشباب أنفسهم خارج دورة الإنتاج فذلك ليس “صموداً”، بل اختلال بنيوي.

وحين تبلغ موجة التضخم مستويات قاربت 10% ثم يُقال إن الأمور تحسنت فقط لأن النسبة انخفضت، دون أن تنخفض الأسعار فعليا، فذلك ليس إنجازا بل إعادة توصيف للأزمة.

وحين يُطلب من المواطن أن يقتنع بأن وضعه أفضل بينما قدرته الشرائية تتآكل، فذلك ليس تواصلا سياسيا بل إنكار للواقع.

المفارقة الصادمة أن الحكومة تتحدث عن نجاح سياساتها الاجتماعية في وقت يتزايد فيه الإحساس العام بأن هذه السياسات لم تصل إلى عمق المعاناة. نعم، تم تعميم التغطية الصحية، وتم إطلاق الدعم المباشر، لكن السؤال الذي يطرحه الشارع أبسط من كل هذه البرامج: هل تحسن مستوى العيش فعلا؟

الجواب، بالنسبة لكثيرين، واضح وصريح: لا.

وهنا يتحول شعار “الصمود” من توصيف سياسي إلى غطاء لغوي.

غطاء يُخفي حقيقة أن كلفة الحفاظ على التوازنات الاقتصادية تم تحميلها بشكل غير مباشر للمجتمع.

ما يحدث اليوم ليس فقط نقاشا حول حصيلة حكومة بل هو تعبير عن أزمة أعمق: أزمة ثقة بين الخطاب الرسمي والإحساس الشعبي.

الدولة تقول إن الأمور تتحسن والمواطن يشعر بأنها تزداد صعوبةوقسوة.

الدولة تتحدث بلغة المؤشرات، والمجتمع يرد بلغة المعيشة اليومية.

وفي هذه المسافة تحديدا يتآكل المعنى الحقيقي للسياسة.

لأن السياسة في جوهرها، ليست إدارة للأرقام بل إدارة لتوقعات الناس وثقتهم.

وحين يشعر المواطن أن الخطاب لا يشبه واقعه فإنه لا يرفض السياسات فقط بل يفقد الثقة في من يقدّمها.

لذلك، قد يكون من الأدق قلب الشعار بدل ترديده:

لسنا أمام “حكومة الصمود”،

بل أمام مجتمع يُطلب منه أن يصمد… أكثر مما ينبغي.