سياسة واقتصاد

صدَق أخنوش.. فِعلًا المواطن يؤمن بالملموس لا بالوعود المعسولة!!

نور الدين اليزيد (صحفي)

حقّا وصدقا أن المقطع الأقوى والأكثر صِدقا وشفافية في كل ما جاء بتصريح رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أمام البرلمان يوم الأربعاء (15 أبريل) الماضي، هو قوله إن "المواطن يؤمن بالنتائج الملموسة وليس الوعود" (كما نَقل ذلك حرفيا أحد المواقع الموالية لحزب رئيس الحكومة)!

ومن خلال قراءة متمعنة في ما قدمه السيد أخنوش يوم الأربعاء الماضي، وما صدر عن وزراء/وزارات حكومته المختلفة، بالتزامن مع ما صدر عن مؤسسات دستورية من قبيل المندوبية السامية للتخطيط، نورد التالي من معطيات جد مكثفة ومختصرة: 

في حصيلة عمل الحكومة كما جاءت في كلمة رئيسها أمام البرلمان، استجابة وإسوة بتقاليد سابقيه واستنادا إلى مقتضيات الفصل 101 من الدستور، فإن خطاب أخنوش تناول النقط التالية؛

-أولا: بخصوص الدولة الاجتماعية وقطاع الصحة، تحدث عن "نجاح" برنامج تعميم التغطية الصحية الإجبارية (AMO) ليشمل كل الفئات، مع صرف الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المعوزة، مع التأكيد على الإسراع في إصلاح المنظومة الصحية الوطنية، من خلال الزيادة في عدد المراكز الاستشفائية والمستشفيات الجامعية.

-ثانيا: في ما يتعلق بالتعليم، أشار إلى الاتفاقيات الموقعة مع النقابات التعليمية في إطار مواصلة جولات الحوار الاجتماعي، بقصد إنهاء التوتر في القطاع، بالتزامن مع إطلاق ما يسمى "مدارس الريادة" كأحد الأوراش لإصلاح القطاع، وشدد في هذا الصدد على أهمية النتائج التي انتهى إليها الحوار الاجتماعي ولاسيما الزيادة في الأجور التي تم إقرارها لمختلف الفئات المهنية.

-ثالثا: ما يتعلق بمواجهة الجفاف وندرة المياه، قدم عزيز أخنوش حصيلة البرنامج الوطني للتزود بالماء الشروب ومياه السقي، خاصة مشاريع "الربط المائي" (لوطوروت المياه) بين الأحواض، وكذا محطات تحلية مياه البحر لمواجهة الخصاص الذي تعرفه بعض المناطق..

-رابعا: في ما يتعلق بالاقتصاد والتشغيل، نوه رئيس الحكومة بصمود الاقتصاد الوطني رغم توالي سنوات الجفاف والأزمات الدولية، وتحقيق معدلات نمو إيجابية. وشدد في نفس السياق على أن الأولوية خلال النصف الثاني تقريبا من عمر حكومته (2024-2026) تمحورت حول "التشغيل"، وذلك بإطلاق برامج جديدة لدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة وتقليص نسبة البطالة في صفوف الشباب بالخصوص.

الصورة الوردية التي طغت في الغالب على المعطيات التي قدمها رئيس الحزومة امام البرلمان، لم تجب كثيرا عن الأسئلة المطروحة، سواء من قبل المعارضة أو الرأي العام الوطني، بل غابت عنها أحيانا حتى ما يستجيب لتوصيات مؤسسات الرقابة والمؤسسات الاستشارية الدستورية الموازية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن قطاعي الصحة والتعليم ما يزالان القطاعين الأكثر تعرضا للانتقادات، التي تصب بالخصوص في غياب عنصري "جودة الخدمة" و"الاستدامة"؛ ففي ما يتعلق تعميم التغطية الصحية (AMO)، فإن المنتقدين وإن كانوا يقرون ببعض النجاحات وخاصة على المستوى العددي (الكمي) في عدد المنخرطين، فإنهم يتحدثون شكوى المستفيدين/المنخرطين من سلة العلاجات التي يعتبرونها "محدودة"، كما يشتكون من ضعف تغطية الأدوية والمصاريف في القطاع الخاص، وهو ما يكلفهم دفع دفع مبالغ كبيرة من مالهم الخاص. إضافة إلى ذلك فإن ما لا يمكن إنكاره أيضا كمشكل عويص مازال متفاقما بالرغم من وجود بعض برامج التشييد والبناء، هو ضعف البنية التحتية وعجز المستشفيات والمراكز الصحية العمومية الحالية، ولا يمكن التحدث عن تغطية صحية في غياب مرافق صحية كافية ومحترمة وبوجود موارد بشرية كافية؛ حيث تفيد معطيات رسمية وشبه رسمية بخصاص يتجاوز 30 ألف طبيب و60 ألف ممرض، وبمواعيد للمرتفقين جد مديدة وقد تتجاوز أشهراً وحتى السنة أحيانا. في الوقت نفسه التي حذرت فيه تقارير رسمية مثل تلك الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، من خطر تضرر "الاستدامة المالية"، أي من خطر الإفلاس الذي يهدد صناديق التغطية الصحية في ظل عدم ضبط الإنفاق، وبغياب الرفع من أعداد المساهمين.

أما فيما يتعلق بروش إصلاح التعليم، والذي أبرز محاوره اليوم وما يثير الكثير من الجدال وهو ورش "مدارس الريادة"، فإنه في الوقت الذي تفتخر الحكومة به كعنوان لقصة نجاح حكومي، إلا أن مهنيين ومعهم الكثير من النقاد يعيبون على البرنامج/الورش، بأنه انتقائي ويفتقد إلى عنصر العمومية؛ حيث في الوقت الذي تستفيد فيه بعض المدارس المحظوظة من تحولها إلى "مدارس ريادة" وهو ما يجعلها تستفيد من دعم حكومي وتجهيزات إضافية، فإن آلاف المدارس، خاصة في العالم القروي، تظل بعيدة عن أي اهتمام حكومي لتبقى تعاني من مشاكلها على مستوى البنية التحتية والاكتظاظ وغير ذلك، وما يجعل الإصلاح المزعوم يسير بسرعتين متناقضتين تماما. أضف إلى ذلك ما نتج عن هذا الورش من احتقان في صفوف الشغيلة التعليمة رغم الزيادة في الأجور/التعويضات، وذلك بسبب ما يثيره النظام الأساسي من مشاكل، أو نظرا لكثرة المهام الإضافية المفروضة على الأساتذة في مدارس الريادة، أو ما يتعلق بالحيف الذي يشتكي منه الأساتذة الذين يتم استبعادهم من هذا الورش الإصلاحي. وكلها أسباب تتدفع المنتقدين إلى التحذير من فشل هذا الإصلاح.

وفي ما يتعلق بمناصب الشغل ومحاربة البطالة، فإنه في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن خلق الآلاف من مناصب الشغل، وتؤكد بالأرقام أنها في سنة 2025 فقط استطاعت توفير 233 ألف منصب شغل، وهي (الحكومة) في طريقها لتجاوز سقف المليون منصب بحلول نهاية 2026، فإن أرقام وتقارير المندوبية السامية للتخطيط تتحدث عن فقدان الاقتصاد الوطني لآلاف فرص العمل، وعن ارتفاع المعدل الوطني للبطالة ليصل إلى 13% مع نهاية 2025، وهو رقم أعلى مِمّا كان عليه مع بداية ولاية حكومة أخنوش (12.3% في 2021)، مع تسجيل فقدان عشرات الآلاف من مناصب الشغل في القطاع الفلاحي (200 ألف في سنة واحدة فقط) وارتفاع أعداد المرشحين الجدد لولوج سوق الشغل. بل إن المندوبية تورد أن نسبة البطالة وصلت إلى 36% في صفوف الشباب بالمدن ما بين 15-24 من العمر، وهو رقم قياسي. إضافة إلى أرقام سمية أخرى جد خطيرة تتحدث عن أن حوالي 1.5 مليون شاب مغربي لا يدرسون ولا يعملون ولا يتابعون أي تكوين، وهو وحده يدحض بشكل كبير الخطاب الحكومي المسترسل حول تمكين الشباب من فرص الشغل.

وعلى مستوى القدرة الشرائية للمواطنين، وبالرغم من حديث الحكومة المتواصل عن تحكمها في التضخم، فإن المندوبية السامية للتخطيط تفيد بأن أسعار المواد الغذائية ظلت مرتفعة بنسب تتجاوز الـ10% وهو ما يضع مكاسب الزيادة في الأجور على المحك، بل أدى هذا الوضع إلى تصاعد الدعوات المطالبة بزيادات جديدة في الأجور لمختلف الفئات سواء في القطاع العام أو الخاص. ولعل ذلك أيضا ما جعل "مؤشر الثقة" لدى الأسرة المغربية يسجل أدنى مستوياته على صعيد الادخار.

هذا غيض من فيض ولنا عودة !!