على حد علمي ومتابعتي للشأن السياسي ببلادنا فإن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية السي عبدالإله بنكيران، من خلال التصريح المرفق (الفيديو)، هو أول قيادي بل وأول سياسي بالمغرب يعترف بالهزيمة ويقر بأن سبب خسارة حزبه لانتخابات هو سوء أداء القيادة الحزبية!!
بنكيران وفي تصريحات غير مسبوقة، وفي ما يعتبر نقداً ذاتيا حادّا غير مألوف عند السياسيين المغربة، يعود إلى انتخابات 2021 ويعترف لأول مرة بأن سبب هزيمة حزبه تلك المدوية هو "الأخطاء.. ومنها القاتلة" التي ارتكبها قادة الحزب، ولذلك لم تكن لديهم الجرأة لخوض الحملة الانتخابية في تلك السنة وملاقاة الناخبين، وبتعبير بنكيران لم يكن "عندهم الوجه"، وهو ما وصف به أيضا حتى حالته هو، حين أكد أنه لم يشارك أيضا في الحملة الانتخابية لأنه "ماكانش عندو الوجه"، ولذلك فإن حتى منتسبي الحزب لم يصوتوا عليه في تلك الانتخابات !!
واعتبر بنكيران أن "سقوط" 2021 كان مبررا لأن الحزب "دار علاش"، أي ارتكب أخطاء ولم يرض الناخبين بتنفيذ وعوده الانتخابية، كما ألمح إلى ذلك بنكيران.
وكان بنكيران واقعيا وبراغماتيا أكثر عندما أقر ضمنيا بأن الداخلية تدخلت وتتدخل في الانتخابات، سواء في الانتخابات السابقة (2021) عندما حصلوا على 13 مقعدا فقط، أو على 125 في الانتخابات التي سبقتها (2016)، وأن هذا الواقع قد قبلوا لدخول اللعبة السياسية، وإلا عليهم كان عليهم البقاء خارجها على غرار "إخوان العدل والإحسان"، كما قال !!
هذه تصريحات واقعية تستطيع التنويه والإشادة بصاحبها، وأرى أنه لو كان حزب "بيجيدي" قد سارع غداة نكسة 2021 والتصريح بذلك ليس فقط على مستوى الأشخاص الذين سارعوا وقتئذ لقول عكس هذا والتلميح بـ"تزوير" النتائج، وفق ما فهم من سياق كلام بنكيران، وإنما بأن يقروا ذلك كحزب ويقدموا اعتذارهم للمغاربة ويعدونهم بتصحيح ما يمكن تصحيحه، لكان المغاربة احترموهم أكثر.
وشخصيا كمواطن قبل أن أكون صحافيا وباحثا، فإني أشد بحرارة اليوم على يد بنكيران، وأنا الذي أحسب أني من أشد منتقديه وحزبه. ولو كان حزبه كتنظيم سياسي تبنى هذا الخطاب مباشرة بعد الانتخابات الأخيرة، لكنت احترمته كثيرا، بل لفكرت بأن أعطيه صوتي على الأقل على هذه الشجاعة الأدبية والسياسية.
وبالمناسبة، ولأن المناسبة شرط، فقد كنت كثير الانتقاد لحكومة بنكيران التي جاءت بعد انتخابات 2011؛ ولطالما كتبت مقالات جد منتقدة لمختلف وزراء الحزب وللحزب ككل. وكنت أعتزم عشية انتخابات 2016 تأليف كتاب حول التدبير الحكومي لحزب العدالة والتنمية، على أن يشمل المؤلف تلك المقالات مرفقة بمعطيات وإحصائيات رسمية، لكن التظاهرات المصطنعة الممسوخة التي قامت أو أقيمت ضد الحزب عشية تلك الانتخابات، والهجمة الشرسة التي اعرض لها الحزب، جعلتني أعرض عن فكرة الكتاب. بل كتضامُن شخصي مني مع الحزب، فقد قررت أن أمنحه صوتي في الانتخابات، حيث تكلفت عناء التنقل من العاصمة إلى مدينة سيدي سليمان وهي الدائرة الانتخابية التي كنت لازلت وقتها مسجلا بها، وأعطيتهم صوتي وعُدت أدراجي!
هذا الموقف اتخذته فقط لأني لم أشأ للحزب أن يتعرض لحملة مسعورة غير مبررة، وقد كنت ولازلت من أشد منتقديه، لكن أن يحصل اليوم مثل هذا الخروج الإعلامي لزعيم الحزب، فيُقر بقصورهم في الأداء السياسي والتدبيري للشأن العام وهو ما دفعوا ثمنه بامتناع الناخبين عن منحهم أصواتهم، فهذا ما يدعو إلى الاحترام، وبقليل من الذكاء والتواضع السياسيين، كان على قيادة الحزب أن تقر مبكّرا بمثل هذا الإقرار الصريح والواضح، وتخاطب المغاربة بخطاب الاعتراف والصراحة كما فعل اليوم بنكيران، وكان من شأن هذا أن يجعلهم اليوم في وضع قوة سياسية والمنافس أو حتى البديل لما هو موجود في الساحة الذي يتبرم منه المغاربة !!
برافو بنكيران !!






