قضايا

ما مستقبل المدرسة المغربية في ضوء الثورة الرقمية؟

سعيد توبير

تتأطر هذه الورقة المتواضعة في إطار التفاعل مع ثلاثة نقط رئيسة :

1_ تقرير اليونسكو الأخير حول واقع التربية و التعليم في المغرب، و الذي أشار إلى تحسن في بعض المؤشرات، مثل ارتفاع الإنفاق العمومي على القطاع، تعميم التكوين المستمر للأساتذة، والتقدم الكبير في تعميم التعليم الأولي الذي وصل إلى 88% سنة 2024. ومع ذلك كشف هذا التقرير "رصد التعليم 2026" عن أزمة بنيوية عميقة في التعليم المغربي، حيث أظهر أن أزيد من 80% من التلاميذ يفتقرون للكفاءات الأساسية، خاصة في الإعدادي، بحيث تتفاقم الأزمة بسبب نسب الهدر المدرسي المرتفعة (74% انقطاع في الثانوي)، وتدني جودة التعلمات، وفوارق اجتماعية ومجالية حادة، مما يضع إصلاحات "المدرسة الرائدة" تحت المجهر.

2_ثمَّة حقيقة فاقعة لا تخفى، لابد من اعتمادها مدخلا أول لحديثنا عن علاقة التعليم بالديموغرافيا، وهي أنَّ المغرب بلد صغير السن بامتياز، حيث أكدت تقديرات الهيكل العمري في 2019 أن المجتمع السكاني المغربي يصنف بصغير السن، حيث أن 26.3% من السكان لم يتجاوزوا سن الرابعة عشر من العمر، 43.1% دون سن 25 عامًا، فيما نسبة 46.32% من السكان تقع في الفئة العمرية (25-59) عامًا، وفقاً للمؤشرات الاجتماعية الرسمية. أي ما يضعه ضمن قائمة الدول النامية؛ التي تحتاج فعلا إلى قاعدة اقتصادية صلبة. غير أن المثير للتوجس على مستقبل الأمة المغربية هو أن مؤشِّرات التربية و التأهيل تبقى متدنيَّة جدا.

3_ يعرف العالم اليوم في ظل الألفية الثالثة (1) ثورة تكنولوجية اكتسحت كل مناحي الحياة، ولعل أبرزها التطور الهائل في تقنيات الاتصال وتدفق المعلومات، مما أدى إلى ظهور مجتمع جديد وهو مجتمع المعرفة “الرقمية” الذي يعد من دعائم تطور أي مجتمع، إذ أضحت المعرفة تكتسي أهمية بالغة في العصر الحالي باعتبارها اللبنة الأساسية للتنمية الشاملة بمختلف مستوياتها، بما في ذلك قطاع التعليم حيث تواجه المؤسسات التعليمية اليوم مجموعة من التحديات نظرا للتدفق المذهل للمعلومات وللموارد المعرفية.

فما المقصود إذن بالثورة الرقمية أو "مجتمع المعرفة " الذي أصبح قدرا حتميا لا يمكن الفكاك منه؟ هل يعدّ دمج التكنولوجيا الرقمية في المدرسة المغربية رافعة استراتيجية لتحويل الممارسات التربوية، وتعزيز نتائج التعلم، وتعزيز الشمولية وتطوير مهارات القرن الحادي والعشرين ؟ هل يمكن لهذه الأخيرة أن تحررنا من تبعات أزمة التعليم التي عمرت طويلا في نقاشنا العمومي إذا ما توفرت إرادة الدولة الأمة؟ 

 


من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة يجدر بنا بادئ ذي بذء القيام بعملية استكشاف لما يسمى الثورة الرقمية أو مجتمع المعرفة:

1_ تُعــد الوســائل التقنيــة الحديثــة المعتمــدة فــي تــداول المعلومــات مــن أبــرز مخترعــات العصــر؛ حيــث ُ ســاهمت كثيــراً فــي تطــور العلــوم والمعــارف مــن خــلال مــا غيرتــه مــن ٍ طــرق لوســائل تبــادل وتلقــي المعلومــات واســتنتاجها. فبعدمــا كان الإعتمـاد علـى القلـم والقرطـاس والحديـث النظـري الشـفوي فـي تناقـل المعلومــات وتثبيــت الاستنتاجات ســائداً إلــى مــدة قريبــة، أصبحــت اليـوم الثـورة الرقميـة وظهـور الوسـائل والأجهـزة التكنولوجيـة والتقنيـة الحديثــة هــي الوســيلة، الأبــرز والأنســب والأســرع، فــي دراســة كافــة ً العلـوم والمعـارف سـواء بشـكلها العملـي الفنـي أو النظـري الأكاديمـي(2).

2_ إن السمة المميزة لهذا العصر الرقمي الجديد يمكن أن نسميه الأنترنث. فماذا يعني؟ الأنترنت: هي تقنية العصر (3)، و هي وجدت و ستبقى. بل إن اعتمادنا عليها يزداد يوما بعد يوم سواء أردنا أم لم نرد. كما أنها تقنية عابرة للقارات، لا تعرف حدودا و لا توقفها الحواجز الثقافية، ولا العرقية، و لا الدينية. صار عالمنا منفتحا على الثقافات الغربية و الشرقية. و لم يعد، بالإمكان السيطرة على الغزو الثقافي و الحضاري، أو منع تأثيره أو حجبه من الوصول إلى عيون و أفئدة أبنائنا، فيغزوها و يحتلها، و يستبدل بها علومنا و ثقافتنا و حضارتنا الأصلية.

3_ تفيد بعض الدراسات الفرنسية (4) على أن " مجتمع المعرفة" يحيل على عصر جديد، نعيش فيه تحولا ثقافيا و اجتماعيا هائلين. مماثلا لما أنتج في زمانه من حيث انتشار "المطبعة"، الذي أصبح اليوم مرادفا " للثورة الرقمية ". الواقع هو أن ممثلي هذه الدراسة، كان همهم الأول، هو المساهمة في رفع سقف طموح المدرسة الفرنسية وتحيين سياساتها الإدارية و البيداغوجية، من خلال جعلها مركزا محوريا في النقاش العمومي و المشاريع السياسية و السياسات العمومية. و ذلك بهدف مدها بالوسائل لتكوين أفراد مستقلين و متنورين؛ قادرين على التوجه السليم و الإنخراط الجدي في إطار أزمنة الثورة الرقمية بدون مركب نقص. و الحال هو أن هناك أسئلة مستجدة ستطرح نفسها بقوة من حيث ضرورة إعادة النظر في المناهج و المعالم؛ التي لا تحيد قيد أنملة عن ضرورة إعادة تأسيس مدرسة حازمة وطموحة من أجل الثتقيف على المستوى الاجتماعي و التطور التقني في مجلات الإقتصادية و الإنتاجية.  

_هكذا يتم رصد التغير الحضاري الذي سيحدثه على ما يظهر الإنتقال من " عالم الورق" إلى "عالم الشاشة". وما ينتج عنه من ظواهر جديدة، تستدعي البحث عن قياس النتائج العامة لهذه الطفرة، وخصوصا ما يتصل بالأنساق المدرسية من جهة. ومن جهة أخرى نتساءل بطريقة نقدية حول ما يمكن أن نسميه "مجتمع المعرفة"، و الذي يمكن أن يقود بشكل متناقض إلى شكل جديد من الظلامية أو التفاهة بلغة "الان دونو".

_أما المستوى الثاني فيتطلب التريث من الناحية البيداغوجية حول استعجالية القطع مع هدف اختزال المؤسسات في وظائف التقويم، المراقبة و انتقاء الكفاءات الفردية للحاجات الإقتصادية فقط. و إنما يجب أن ينصب التفكير رأسا على برامج تكوين الأساتذة، و المكانة التي يجب إيلاءها للتكنولوجيات الجديدة. كما لا يخفى على المستوى الفلسفي؛ إكراه ضرورة إصلاح المدرسة في اتجاه الحاجيات التي تتطلبها التعلمات الجديدة، و تكوين الأساتذة و تحسين التعلُّمات بواسطة استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتِّصالات كوسائل ديداكتيكيَّة معينة من قبل المدرس. 

_هكذا تؤكد الدراسة باعتبارها متاحا انسانيا أن المدرسة المغربية اليوم مطالبة بإعادة التفكير في أساليب نقل المعرفة وطرق التعلم، لأن المجتمع المعاصر أصبح مجتمعاً وسيطياً تتحكم فيه تقنيات المعلومات والاتصال. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يقتصر على إدخال الذكاء الإصطناعي في التعليم، بل يتمثل في إحداث تحول عميق في فلسفة التربية نفسها، بحيث يصبح المتعلم قادراً على استخدام التقنية وفهمها والتفكير فيها في الوقت نفسه.

 


فهل مدارس علوم التربية و الجامعات المغربية على اتصال جيد بما يحدث في العالم من طفرات علمية و تقنية مستجدة؟ 

في هذا السياق يؤكد الباحث التربوي "برنو دوفوشال" أن التحولات العميقة التي يعرفها العالم المدرسي في ظل التطور السريع للتقنيات الرقمية وظهور الذكاء الإصطناعي، أن المدرسة مطالبة اليوم بإجراء مراجعة شاملة وسريعة لنظامها التربوي، لأن مواجهة هذه التحولات تقتضي أولاً فهمها ثم إدراك آثارها على التعلم والتعليم. ويؤكد على أن المهمة الأساسية للتربية هي تمكين جميع المتعلمين من مستوى حقيقي من التحكم في المعارف والمهارات؛ يجمع بين الجانب العملي التقني والبعد التأملي النقدي. مضيفا على أن الذكاء الإصطناعي أصبح يحتل مكانة مركزية في تساؤلات المدرسين اليوم، إلى درجة أن البعض ينسى أن التقنيات الرقمية سبقت ظهوره بسنوات طويلة. فانتشار الهواتف الذكية سهّل الوصول إلى المعلومات والموارد، لكنه في المقابل أخفى العمليات التقنية الكامنة وراءها، مما جعل بعض التلاميذ يبدون عاجزين أمام استخدام الحاسوب التقليدي ولوحة المفاتيح. وقد أكدت دراسات مرتبطة بمنصة ( PIX)أن هذه الظاهرة موجودة أيضاً في التعليم العالي.

وعليه، ناقش الباحث فكرة إنشاء مرجع خاص بالمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل إطار. ( PIX) فظهور هذا المرجع يعكس وعياً متزايداً بضرورة تطوير الكفاءات الرقمية ليس فقط لدى التلاميذ، بل أيضاً لدى الآباء. مشيرا إلى أن هذا التحول العميق يواكبه قلق اجتماعي متزايد من تأثير الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي على سلوك الشباب وطرق تعلمهم، خاصة بعد الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي الذي أثار تساؤلات جديدة حول مصداقية التقييم ومراقبة المعارف.

وينتقد النص تردد المؤسسة التعليمية في تطوير المهارات الرقمية الأساسية منذ بداية الألفية، رغم وجود برامج وشهادات مثل (B2i) والإطار المرجعي للكفاءات الرقمية (CRCN). فهذه المبادرات بقيت في كثير من الأحيان هامشية داخل المؤسسات التعليمية. وينطبق الأمر نفسه على التربية الإعلامية التي ظلت مرتبطة بأنشطة محدودة مثل ( أسبوع الصحافة ووسائل الاتصال بالمدرسة ).

كما يبرز الباحث التربوي ضعف عالم الراشدين، وخاصة المدرسين، في تقييم مهاراتهم الرقمية والنقدية، إذ يعتقد الكثيرون منهم أنهم يمتلكونها بحكم تكوينهم الأكاديمي، بينما تكشف الممارسات اليومية عكس ذلك. وقد أدى ظهور الذكاء الاصطناعي إلى زعزعة كثير من المرجعيات التقليدية، خصوصاً سلطة المدرس في التقويم، بسبب إمكانية استخدام الطلبة لهذه الأدوات للحصول على إجابات جاهزة. ويرى الكاتب أن المرحلة الحالية تتمثل في نوع من «محو الأمية في الذكاء الإصطناعي»، حيث يسعى الأفراد إلى تعلم كيفية استخدام هذه التقنيات عملياً، بينما تبقى الأسئلة العميقة المرتبطة بالأخلاق والقانون والتأثيرات المعرفية في مرتبة ثانية. كما يذكّر بأن التحولات الرقمية ليست جديدة، بل هي امتداد لمسار طويل من تطور التقنيات وتأثيرها في المجتمع. 

وعليه، يتضح على أن الشأن التربوي في مغربنا يحتاج إلى ثورة هادئة لإحداث طفرة لتجاوز جميع الأعطاب التي تعانيها المنظومة التعليمية منذ عقود. أي القيام بعملية جراحية مستعجلة تهم : فلسفة التربية و التعليم، أي السؤال حول الإنسان و المجتمع الذي نرتضيه للمغاربة " سكان الجزيرة" بتعبير الدكتور عبد الله العروي. وهو طموح يفترض اجتراحا فكريا و ثقافيا لمشروع تعاقدي تاريخي في مستوى استحقاقات مغرب المستقبل في أزمة التحولات الكبرى التي يعرفها العالم. و بالتالي فإن مراجعة التكوين، المقررات، المناهج و التشريعات قد أصبحت ضرورة مستعجلة لإقدار الأجيال المقبلة على مسايرة تحديات أزمنة الرقمنة و اقتصاد الجهد و الزمن. 

أن الرهان الحاسم الذي ينتظر المدرسة المغربية بكل وطنية تاريخية و مسؤولية أخلاقية هي : _ضرورة امتلاك التلميذات والتلاميذ للتكنولوجيا لإدماجهم في المجتمع الرقمي ومجتمع المعرفة. _ جعل تكنولوجيا المعلومات والاتِّصالات محرِّكًا للتنمية البشريَّة بحضورها في الفضاءات المدرسيَّة. _ جعل تكنولوجيا المعلومات والاتِّصالات مصدرًا للإنتاجيَّة وقيمة مضافة لباقي القطاعات الاقتصاديَّة وللإدارة العموميَّة_جعل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتِّصالات أحد دعامات الاقتصاد والتنمية من خلال حضورها في قطاع التربية والتعليم.[5]

 


1_ المراجع: 

(1) : مقال منشور في : مجلة جيل العلوم الإنسانية والإجتماعية العدد 70 الصفحة 165. 

(2) الثقافة والتحول الرقمي التحديات والفرص لجنوب غرب آسيا وشمال افريقيا المحررة: باميلا شرابيه. دار الحكمة. الصحافة الجامعية. 

(3) _ دماغك تحت تأثير الإباحية _ : أضرار المرئيات الجنسية على الأنترنت في ضوء الإدمان الحديث_ من تأليف غاري و يلسون . ترجمة مي بدر. ص 14 . كومون ويلث للطباعة و النشر 2014

(4) Denis Kambouhner, Philippe Meirieu, Bernard Stiegler, L’École, le numérique et la société qui vient, Mille et une nuits, 2012

Benoît DROUILLAT

(5)IA & Education IA : l’école face à une transformation profonde de la manière d’apprendre. BRUNO DEVAUCHELLE https://www.cafepedagogique.net/2026/03/10/ia-lecole-face-a-une-transformation-profonde-de-la-maniere-dapprendre/


 

.