قضايا

زيد الما زيد دقيق: زيادات الأجور في الوظيفة العمومية هل هي مكسب أم تصحيح متأخر؟

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

لا يتردد المدافعون عن الحكومة الحالية في تسويق الزيادة في الأجور كإنجاز، غير أن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بالرقم المعلن، بل بما يتبقى منها بعد استنزافها بكلفة العيش، وهنا يتكشف الفارق بين الانطباع والواقع.

خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل واضح، الغذاء، النقل، السكن. هذا الارتفاع لم يكن لحظيا، بل تراكميا و في المقابل، ظلت الأجور شبه مستقرة لفترة طويلة. و النتيجة بسيطة، "القدرة الشرائية تآكلت قبل أن تأتي أي زيادة"..حين تأتي الزيادة بعد هذا التآكل، فهي لا تخلق تحسنا جديدا، بل تعوض جزءا مما ضاع.

موظف فقد جزءا من قدرته على تغطية مصاريفه، ثم حصل على زيادة، سيشعر بالارتياح النسبي، لكنه لن يكون في وضع أفضل مما كان عليه قبل موجة الغلاء. هذا هو الفرق بين “التحسن” و”التعويض”.

هنا تظهر مسؤولية طريقة التدبير، الحكومة لم تعتمد آلية منتظمة لمواكبة الأجور مع تطور الأسعار، بل تركت الفارق يتسع لسنوات، ثم تدخلت لتقليصه جزئيا. هذا الاختيار له نتيجة مباشرة واضحة "الزيادة تأتي متأخرة، وأثرها محدود، وسرعان ما تبتلعها موجة غلاء جديدة"..

المسألة لا تتوقف عند القدرة الشرائية.

هذه الزيادات لم تُربط بأي تغيير داخل الإدارة، لا نظام تقييم فعلي للأداء، لا تحسين واضح في جودة الخدمات، ولا تقليص في آجال المعالجة. بمعنى آخر، الأجر ارتفع، لكن طريقة العمل بقيت نفسها.

في هذه الحالة، تتحول الزيادة إلى كلفة إضافية دون مقابل واضح للمواطن.

ثم هناك جانب آخر قد لا ينتبه إليه الكثيرون هذه الزيادات ليست مؤقتة، بل التزام دائم في ميزانية الدولة. كل درهم يُضاف في الأجور هو كلفة مستمرة، وإذا لم يقابله تحسن في الإنتاجية أو في جودة الخدمة، فإنه يضغط على موارد يمكن توجيهها لقطاعات أخرى.

بجمع هذه العناصر، تتجمع عناصر الصورة

لتخبرنا أن الزيادة كانت ضرورية لامتصاص الضغط، لكنها لم تُحدث تحولا حقيقيا. السبب ليس في المبدأ، بل في الطريقة،، تأخر في القرار، غياب للمواكبة، وانفصال عن أي إصلاح إداري.

و بالتالي الزيادة التي تأتي بعد تآكل الأجور ولا تتفوق على التضخم ليست مكسبا، بل تصحيح متأخر لنقص سابق..و كما قال مفكرنا محمد عابد الجابري "المشكل ليس في القرارات في حد ذاتها، بل في سياقها وشروط إنتاجها...