قضايا

"شم النسيم"… حين ينتصر الفرح في مصر

عبد الرفيع حمضي
لم أكن أفكر في شيء محدد وأنا أصل إلى القاهرة، سوى تلك الأغنية التي يعرفها الجميع: الدنيا ربيع. بصوت سعاد حسني حيث تبدو الأغنية خفيفة ومرحة، لكنها في الحقيقة أكثر من ذلك. لم تكن مجرد عمل فني عابر، بل تحولت مع الوقت إلى ذاكرة جماعية، تختصر روح يوم كامل كما يعيشه الناس.

في تلك اللحظة، اكتشفت أن الأمر لا يتعلق بأغنية فقط، بل بيوم اسمه “شم النسيم”. يوم يخرج فيه المصريون إلى الحياة، كما لو أنهم يعيدون اكتشافها من جديد.

وصلت القاهرة في يوم لا يشبه غيره. المدينة كانت قد خرجت من نفسها إلى الشارع: عائلات، أطفال، وقفف طعام بسيطة، أما الابتسامة فهي موزعة على ضفتي النيل. لا شيء استثنائياً في التفاصيل، لكن كل شيء مختلف في المعنى. إنه شم النسيم، اليوم الذي لا يحتاج إلى إعلان، لأن الناس هم من يكتبونه في الفضاء العام.

منذ الصباح، يتجه المصريون إلى الخارج. إلى النيل، إلى الحدائق، إلى أي مكان يمكن أن يتسع لفرح بسيط. يحملون معهم ما يكفي لخلق يوم مختلف: فسيخ، بصل أخضر، خبز، وبيض ملون. هذه ليست مجرد أطعمة، بل طقوس. كأن المصريين يقولون إن الفرح لا يحتاج إلى شروط، بل إلى عادة تتكرر وتستمر.

بالنسبة لي، بدا الأمر في البداية مجرد نزهة ربيعية، لكنه في مصر يحمل طبقات أخرى. شم النسيم تقليد ضارب في القدم، تعود جذوره إلى مصر القديمة. النقوش الفرعونية نفسها تروي مشاهد احتفال بالربيع، بخروج الناس إلى الطبيعة بتقاسم الطعام، وبفكرة أن الحياة تتجدد كل عام. الاسم تغير، والأشكال تغيرت، لكن الفكرة بقيت كما هي: الخروج من السكون إلى الحركة، ومن الداخل إلى الخارج.

ما يلفت أن هذا العيد ليس دينياً، لكنه يعيش داخل زمن ديني. فهو أو عطلة مباشرة بعد عيد الفطر عند المسلمين، وبعد عيد الفصح عند المسيحيين. ومع ذلك، لا ينتمي لأي منهما، بل يجمعهما.

في هذا التلاقي، يظهر أن المجتمع قادر على خلق لحظاته الخاصة خارج التصنيف، لحظات لا تسأل الناس عن انتماءاتهم، بل تدعوهم فقط إلى المشاركة.

هذا المجتمع الذي نراه اليوم، خارجاً إلى الشارع، مقبلاً على الحياة، هو نفسه الذي مرت عليه في فترات مختلفة محاولات لإعادة تشكيل سلوكه داخل قوالب ضيقة: هذا جائز وذاك مكروه. لكن شم النسيم يقول شيئاً آخر. يقول إن الحياة اليومية أقوى، وأن الناس يحتفظون دائماً بمساحتهم الخاصة، بهامشهم الذي يعبرون فيه عن أنفسهم كما يريدون.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بعيد فقط، بل بطريقة في العيش. شم النسيم يذكر بأن الفرح لا يشترى، ولا يحتاج إلى إمكانيات كبيرة. يكفي أن تخرج، أن تلتقي، أن تتقاسم البسيط، وأن تمنح نفسك لحظة خارج الحسابات.

وحين تميل الشمس نحو الغروب، وتعود المدينة تدريجياً إلى إيقاعها، لا ينتهي اليوم تماماً. يبقى في الذاكرة، كأثر خفيف، وكفكرة بسيطة لكنها عميقة لأن الحياة، مهما ضاقت، تظل قادرة على أن تفتح نافذة للفرح.

وبين ما يقال وما لا يقال… تستمر الحياة