أخطر ما يهدد الأوطان ليس هو الفساد فقط، ولا الفقر، ولا حتى سوء السياسة.
أحيانا يكون الخطر الأكبر أكثر هدوءا من كل ذلك، وأكثر قدرة على التسلل إلى الحياة اليومية دون أن يثير فزعا كبيرا. يبدأ الأمر حين يتعلم الناس كيف يعيشون وسط الأعطاب دون أن يعودوا يرونها أعطابا أصلا، وحين يتحول ما كان يجب أن يكون استثناء صادما إلى جزء مألوف من تفاصيل اليوم العادي.
في المغرب، لا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد كي يلاحظ حجم التكيّف الذي صار يطبع علاقتنا بما لا ينبغي احتماله.
نتكيّف مع الغلاء كما لو كان قدرا موسميا.
نتكيّف مع الإدارة البطيئة كما لو كانت جزءا من الطقس العام، نتكيّف مع الرداءة في الخدمات، مع الاكتظاظ، مع الوساطة، مع الانتظار، مع الشعور المتكرر بأن أبسط الحقوق تحتاج أحيانا إلى حظ أكثر مما تحتاج إلى قانون.
ومع الوقت، لا تبقى المشكلة فقط في وجود هذه الاختلالات، بل في الطريقة التي يتعلم بها المجتمع كله التعايش معها، إلى درجة يصبح فيها الاحتجاج الداخلي نفسه أقل حدة، وأقل حضورا، وأقل إلحاحا. وهنا بالضبط تبدأ المنطقة الأسوأ و هي حين لا يعود العطب صادما، بل مألوفا، بل قابلا للتبرير أحيانا.
لقد رُبِّي المغربي، عبر أجيال، على فضيلة الصبر. والصبر في ذاته قيمة نبيلة حين يكون سندا للكرامة، أو طاقة على تجاوز المحن. لكن الصبر حين يتحول إلى أسلوب جماعي للتعايش مع الاختلال، يفقد شيئا من شرفه الأخلاقي، ويصبح أقرب إلى آلية دفاع جماعية ضد الشعور بالقهر.
فليس كل احتمال بطولة، وليس كل تماسك علامة صحة. في بعض المواضع يكون ما نسميه “صبرا” مجرد اعتياد بطيء على ما كان يجب أن يُرفض من البداية.
وهنا يبرز أحد أكثر التحولات خطورة في المجتمعات المرهقة: الانتقال من رفض الخلل إلى تدبيره، ومن مقاومة الرداءة إلى تطوير مهارات العيش داخلها.
بدل أن يسأل الناس: كيف نغير هذا؟
يصبح السؤال الأكثر شيوعا: كيف نمر من هنا بأقل الخسائر؟ كيف أجد واسطة؟ كيف أختصر المسافة؟ كيف أضمن مصلحتي أنا؟
كيف أنجو وحدي؟
وهكذا، شيئا فشيئا، تتحول النجاة الفردية إلى بديل صامت عن النجاة الجماعية، ويتحول المجتمع إلى مجموعة أفراد بارعين في التكيف داخل فشل مستمر، بدل أن يكون جماعة سياسية وأخلاقية قادرة على رفض شروط هذا الفشل.
المشكلة هنا ليست أخلاقية فقط، بل سياسية أيضا، لأن الفساد، والرداءة، والظلم، لا ينتصرون فقط بقوتهم الذاتية، بل ينتصرون أكثر حين ينجحون في أن يصبحوا “عاديين”.
في البداية يغضب الناس، ثم يسخرون، ثم يعتادون، ثم يعيدون إنتاج ما كانوا يشتكون منه، لأنهم لم يعودوا يرونه شذوذا، بل مجرد طريقة عمل البلد.
وحين يصل مجتمع ما إلى هذه المرحلة، فإن الخطر لا يعود محصورا في من يسيئون التدبير أو يسيئون استعمال السلطة، بل يمتد إلى نوع العلاقة النفسية التي صارت تربط الناس بالعطب.
فالمواطن المتكيّف لا يبدو منهارا في الظاهر. هو يواصل حياته، يشتغل، يربي أبناءه، يضحك أحيانا، يسخر كثيرا، ويمضي. لكن تحت هذا الاستمرار الظاهري، يحدث تآكل بطيء وخطير في أشياء أساسية جدا، في الإحساس بالحق، في الحساسية تجاه الإهانة، في القدرة على الحلم،
وفي الاقتناع العميق بأن الحياة العامة يمكن أن تكون أفضل فعلا.
وهذا التآكل أخطر بكثير مما يبدو، لأنه لا يترك أثره فقط على المجال السياسي، بل على بنية الإنسان نفسه.
حين يعتاد الفرد أن يُخذل، ويُنتظر، ويُدفع إلى الحيلة بدل الحق، فإنه لا يخسر فقط فرصا يومية، بل يخسر أيضا شيئا من ثقته في المعنى العام للعدالة. ومع الوقت، تصبح البراغماتية الصغيرة، والحلول الالتفافية، والذكاء الفردي في النجاة، بدائل كاملة عن فكرة المواطنة ذاتها.
ولعل خطورة المواطن المتكيّف تكمن في أنه لا يبدو خطرا أصلا، هو لا يصرخ، لا يهدد أحدا، لا يعلن العصيان، ولا يرفع السقف.
لكنه، من حيث لا يقصد أحيانا، يساهم في إطالة عمر الرداءة، لأنه أتقن كيف يعيش داخلها دون أن ينكسر فورا.
إنه لا يخلق العطب، لكنه يساعده على الاستمرار، يحوله من فضيحة إلى روتين، ومن خلل إلى مناخ، ومن أزمة إلى “أمر عادي”.
وهنا يجب أن ننتبه إلى شيء بالغ الأهمية:
ليس المقصود جلد الناس أو تحميل الضحايا مسؤولية ما يقع لهم. فالمواطن المغربي لم يختر دائما شروط التكيّف بإرادته الحرة، بل كثيرا ما فُرضت عليه قسرا، بحكم الحاجة، والضغط، وضيق البدائل.
لكن فهم هذا لا يمنع من الاعتراف بأن التكيّف، مهما كان مفهوما من جهة البقاء، قد يتحول من مهارة دفاعية إلى مأزق وطني حين يعمّ، وحين يصبح هو اللغة اليومية التي ندير بها علاقتنا مع كل شيء.
فالأوطان لا تتآكل فقط حين يكثر فيها الفاسدون، بل أيضا حين يقلّ فيها عدد الذين ما زالوا يشعرون بالقبح كما هو.
الوطن لا يحتاج فقط إلى مواطنين يحبونه، بل إلى مواطنين ما زالوا يرفضون أن تصبح الإهانة عادية، وأن يصبح الفشل تفصيلا إداريا، وأن تتحول الرداءة إلى قدر وطني مقبول.
ربما لهذا السبب، لم يعد السؤال الأهم اليوم هو فقط: من أفسد؟
فهذا سؤال كبير، لكنه لم يعد كافيا وحده.
السؤال الأعمق والأكثر إيلاما هو، كيف تعلمنا أن نعيش وسط كل هذا، دون أن نفقد القدرة على الاستمرار، لكن أيضا دون أن نحافظ بالقدر نفسه على قدرتنا على الرفض؟ هناك فرق كبير بين شعب صبور، وشعب تكيّف أكثر مما ينبغي.
الأول يملك طاقة أخلاقية على الاحتمال من أجل غد أفضل، أما الثاني، فقد يتحول تماسكه الظاهري إلى شكل بطيء من أشكال الهزيمة، وذلك، في تقديري، من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد..حفظ الله بلدنا و شعبه.."للإشارة فقط المازوط عاود تزاد جوج دراهم .."لنتكيف" مع الزيادة ".






