من الواضح أن كارل ماركس عبر عن الغوغائيين بـ "البروليتاريا الرثة"، وقصد بها الفئات الهامشية التي لا تملك "وعياً طبقياً"، مثل المتشردين والمجرمين أو الذين يستخدمهم "البرجوازيون" لكسر الإضرابات؛ فكان ينظر لهذه الفئات بريبة لأنها في نظره تعيق "الثورة" بدلاً من تحقيقها، كما كان يحذر من الديماغوجية والغوغائية التي تستخدمها الطبقات المهيمنة لتضليل الجماهير، ثم وضح أن استخدام الحشود غير الواعية -أي الغوغاء- يكون ضد مصلحة الطبقة العاملة الحقيقية. ومن هنا سعى لتحويل الحشد غير المنظم إلى طبقة عاملة ذات وعي منظم.
لاشك أن مفكرين من فلاسفة وعلماء اجتماع وسياسيين تناولوا بالتحليل هذه الشريحة من المجتمع، ويمكن تقديم خلاصات أساسية:
1. تكمن خطورة الغوغائيين أو ما يُعرف بـ الدهماء والرعاع في كونهم يمثلون قوة تدميرية غير واعية، تهدد الاستقرار والأمن، وتخرب الأوطان عندما يجتمعون.
2. تزداد هذه الخطورة في أوقات الجهل والفتن، حيث يتحولون إلى أداة لخلط الأمور وتقويض النظام العام.
3. غالباً ما يستحلون الدماء، والنهب، والتدمير، وسيادة "عقلية القطيع" التي تلغي مرونة التفكير والتصرف بعقلانية.
4. يسهل قيادتهم من قِبل أشخاص يتبنون خطاباً شعبوياً ديماغوجياً، مستغلين جهلهم لتحويلهم إلى أداة تدمير، وفي الحد الأدنى أداة ابتزاز.
5. يُعرف عن الغوغائيين تسطيح الوعي بشكل شديد، مع تصورهم لأعقد قضايا العالم على أنها قضايا بسيطة، مما ينشئ مجتمعاً يعيش في وعي ومعرفة زائفة ومزيفة.
6. يجنحون نحو استهداف الاستقرار الاجتماعي والسياسي، حيث يفضلون الفوضى على النظام.
7. لديهم حافزية عدوانية نحو الاعتداء، بحيث يمكن أن يقتلوا أو يهدموا تحت تأثير التهييج والعدوى الجماعية.
**باختصار، الغوغائيون خطر كامن يظهر بوضوح عند غياب الوعي، وتتصدر فيه الفئات الجاهلة مشهد الرأي العام، مما يؤدي إلى نتائج مدمرة للمجتمع والدولة.**
غير أن أخطر مرحلة هي أن تنشأ **"ديمقراطية الغوغاء"** أو ما يعرف بـ **حكم الغوغاء** كمصطلح سياسي يُستخدم لوصف الحالة التي تتحول فيها الديمقراطية من حكم الأغلبية القائم على العقل والقانون إلى فوضى، تسيطر فيها الأهواء العاطفية والسطحية على قرارات الجماهير بدلاً من التفكير المنهجي والموضوعي.
فالغوغائية انحدار للديمقراطية، يتم فيها استغلال حق التصويت للتأثير على البسطاء سياسياً، ومن خلال "زعامات" شعبوية تستغل مخاوف الناس لتوظيف أفكارهم المتحيزة الخاطئة والمسبقة وحشدهم عبر خطابات عاطفية بعيدة عن الموضوعية والعقلانية (تجربة النازية نموذجاً)، معتمدة على:
1. الثرثرة السياسية.
2. الغموض في البرامج السياسية المقترحة التي تعتمد إشاعة اليأس وثقافة التبخيس.
3. تحويل الانتخابات إلى أداة لتحريض الجماهير بدلاً من الاختيار الواعي، مما يؤدي إلى نتائج شعبوية تضر بالنسيج الاجتماعي.
4. تجريد "الديمقراطية" من مفهومها المؤسساتي لتصبح رهينة الهيجان والعاطفة.
5. اعتماد الشعبوية من خلال قيادة زائفة تستغل الجماهير.
الخلاصة:
يكاد يصبح مستحيلاً إنجاز مشروع وطني للعمران البشري -أي نظام قيم يحكم التعمير- في ظل الغوغائية والغوغائيين.






