في كل مرحلة من الزمن، يخرج علينا شخص يبيع الوهم على أنه معجزة، ويتحدث بثقة الأنبياء وهو لا يملك سوى جعبة من الخرافات والاستعراض والادعاءات الفارغة. يدّعي أنه يملك مفاتيح النجاة، أو وصفات الشفاء، أو أسرار الكون، أو القدرة على قلب الحقائق وتجاوز قوانين العقل والعلم والمنطق. لكن الكارثة الحقيقية ليست في ظهور هذا الأحمق، فالتاريخ البشري مليء بالدجالين والمهووسين بالعظمة، بل الكارثة في الجموع التي تصفق له، وتتبعه، وتدافع عنه بعصبية عمياء، وكأن الحماقة حين تتحول إلى قطيع تصبح حقيقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها.
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الجهل وحده، بل ذلك التحالف المرعب بين الدجل والتصفيق، بين الوهم والجمهور المستعد لابتلاع أي كذبة تمنحه أملاً سريعاً أو وهماً مريحاً. فكل دجال يحتاج فقط إلى جمهور يكره التفكير، ويخاف من الأسئلة، ويبحث عن “المعجزة” بدل البحث عن الحقيقة. وهكذا يتحول الأحمق إلى “زعيم”، والدجال إلى “مخلّص”، والخرافة إلى “عقيدة”، فقط لأن عدداً كافياً من الحمقى قرروا أن العقل مؤامرة، وأن النقد عداوة، وأن التصديق الأعمى فضيلة. المشكلة ليست في وجود الحمقى، بل في اللحظة التي يصبح فيها الحمق جماعياً، ويتحول التصفيق للوهم إلى ثقافة عامة.






