سياسة واقتصاد

انتخابات 2026 التشريعية.. هل حان الوقت لوضع حد للسلالات العائلية في السياسة؟

محمد أنور (فاعل جمعوي)
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يفرض سؤال حساس وجوهري نفسه بقوة في قلب النقاش العمومي المغربي: هل يمكن للديمقراطية أن تنمو وتزدهر حقاً عندما تتحول التزكيات الانتخابية داخل بعض الأحزاب إلى شأن عائلي مغلق، تتوارثه الأسماء نفسها جيلاً بعد جيل؟

قد يبدو هذا الطرح للبعض مثيراً للجدل، بل وقد يعتبره آخرون مساساً بحق كل مواطن ومواطنة في الترشح وتحمل المسؤولية السياسية.

لكن خلف هذا المشهد الذي يبدو عادياً في الظاهر، تتوارى ظاهرة مقلقة تهدد روح الديمقراطية في الصميم: إنها الريع السياسي العائلي، حيث تتحول المقاعد المنتخبة من تكليف شعبي إلى إرث خاص تحتكره أسر نافذة داخل بعض التنظيمات الحزبية.

حين تتحول السياسة إلى تركة عائلية

في عدد من الأحزاب، لم تعد التزكيات تمنح دائماً على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة المواطنين، بل أصبحت في بعض الحالات تخضع لمنطق القرابة والولاء الأسري.

أب يسعى إلى تسليم دائرته الانتخابية لابنه.

أم تمهد الطريق لابنتها.

قيادي حزبي يفرض زوجته ضمن اللوائح الانتخابية.

وأحياناً نجد أكثر من فرد من الأسرة نفسها يتنافسون في الانتخابات ذاتها على مستويات مختلفة.

هذه الظاهرة ليست جديدة، بل أصبحت تتكرر منذ عقود داخل مجلس النواب المغربي ومجلس المستشارين المغربي.

ومع مرور الوقت، ترسخ لدى كثير من المواطنين انطباع خطير مفاده أن بعض المقاعد البرلمانية لم تعد ملكاً للأمة، بل أصبحت أشبه بعقارات سياسية تنتقل بالوراثة بين أفراد عائلات محددة.

الكفاءة لا تورث بالدم

المشكلة ليست في أن ابن أو ابنة أو زوجة ترغب في خدمة الوطن. فهذا حق دستوري مشروع لا جدال فيه.

لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الاسم العائلي أقوى من السيرة الذاتية، وتصبح القرابة أهم من الكفاءة، ويغدو النفوذ بديلاً عن الاستحقاق.

فالعمل السياسي ليس لقباً نبيلاً يورث، ولا ضيعة خاصة تنتقل من الآباء إلى الأبناء.

السياسة مسؤولية وطنية تتطلب ثقافة مؤسساتية، وحساً عالياً بالدولة، وقدرة على الإنصات للمواطنين، وإلماماً بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية، وشجاعة في الدفاع عن المصالح العليا للوطن.

وهذه الصفات لا يحملها الحمض النووي، ولا تنتقل عبر شجرة النسب.

ديمقراطية تضعف من الداخل

حين تستحوذ العائلات النافذة على التزكيات، تكون النتيجة مؤلمة على أكثر من مستوى.

يتم إقصاء المناضلين الأكفاء الذين أفنوا سنوات في العمل الحزبي.

يفقد الشباب الموهوب غير المحمي عائلياً الأمل في الصعود السياسي.

يتراجع إيمان المواطنين بنزاهة العملية الديمقراطية.

وتتحول المؤسسات المنتخبة في نظر الرأي العام إلى فضاءات لإعادة إنتاج النفوذ بدل أن تكون منابر لخدمة الشعب.

ومع الوقت، تصبح الديمقراطية مجرد شكل بلا روح، وصندوق اقتراع بلا ثقة.

قانون لكسر احتكار العائلات للمشهد السياسي

في هذا السياق، يطرح عدد من المهتمين بالشأن العام فكرة سن مقتضى قانوني يمنع ترشح عدة أفراد من الأسرة الواحدة في الانتخابات نفسها، أو يمنع انتقال المقعد النيابي بشكل شبه تلقائي بين الأقارب داخل الدائرة نفسها دون منافسة شفافة وعادلة.

مثل هذا الإجراء لا يستهدف الأشخاص بسبب روابطهم الأسرية، بل يهدف إلى حماية تكافؤ الفرص، والحد من تضارب المصالح، وإعادة الاعتبار لمبدأ الاستحقاق.

وسيكون بمثابة رسالة قوية تؤكد أن المناصب التمثيلية ليست ملكية خاصة، بل أمانة شعبية.

المغرب أمام اختبار سياسي وأخلاقي

تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس يواصل المغرب مساراً إصلاحياً يضع الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في صلب البناء الديمقراطي.

وتشكل انتخابات شتنبر 2026 فرصة تاريخية لترجمة هذه المبادئ إلى واقع ملموس.

فالمواطن المغربي يتطلع إلى ممثلين يصلون إلى البرلمان بكفاءتهم ونزاهتهم وبرامجهم، لا بأسمائهم العائلية أو بشبكات نفوذهم.

إعادة الاعتبار لنبالة السياسة

النيابة البرلمانية يجب أن تظل تكليفاً شعبياً، لا امتيازاً عائلياً يتوارثه الأبناء والأحفاد.

وستزداد الديمقراطية المغربية قوة ومصداقية يوم تختار الأحزاب أصحاب الأفكار والكفاءات بدل أصحاب الألقاب العائلية.

فالمغرب الذي نطمح إليه لا يحتاج إلى جمهوريات وراثية مقنعة، بل إلى رجال ونساء أحرار، أكفاء، ونزهاء، يحملون هم الوطن فوق كل اعتبار.

وعشية استحقاقات 23 شتنبر 2026، يبدو أن الوقت قد حان لفتح هذا النقاش بكل شجاعة ووضوح.

لأنه عندما يتحول المقعد البرلماني إلى شأن عائلي، فإن أول من يغادر قبة البرلمان هو ثقة المواطن.