غالبا ما أتخذ موقفا داعما للصحفيين، وذلك من باب التقدير الشديد لهم واحتراما للمهام المنوطة بهم. ولأنني أتابع جميع البرامج السياسية بكل أطيافها وألوانها بحكم عملي أولا، ثم نظرا للبحث العلمي والأكاديمي الذي انخرطت فيه منذ مدة. لذلك أجد من الضروري أن أدلي بدلوي في الحلقة الرابعة من برنامج «للحديث بقية» الذي استضاف فيه الصحفي يوسف بلهايسي نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي الإدريسي على قناة الأولى.
أولا، أعتبر أن الصحفي يوسف بلهايسي من الصحفيين المغاربة الأكفاء الذي عُرف بمهنيته العالية، واحترامه لأخلاقيات المهنة، بالإضافة إلى حضوره الكاريزمي على الشاشة. إلا أنه لم يكن موفقاً، من منظوري الخاص، في تسيير الحلقة الرابعة من برنامجه، ويستند هذا الطرح إلى مجموعة من المرتكزات العلمية والأكاديمية المعروفة في مجال الإعلام والتواصل السياسي والاتصال الحواري.
في هذا التحليل، لم أعتمد بتاتا على الانطباع الشخصي، بل اعتمدت على أدوات منهجية مستوحاة من دراسات تحليل الحوار التي أسسها Harvey Sacks، و Emanuel Schegloff، وGail Jefferson والتي كشفت أن من يتحكم في تناوب الكلام يتحكم في الحوار. هذه الفكرة مهدت الطريق لأعمال أكاديمية مهمة لعل من أبرزها كتاب The News Interview Journalists and Public Figures on the Air ل Steven Clayman و John Heritage والذي وصل لخلاصة مهمة مفادها أن هذا التحكم لا يكون دائما محايدا. وهذا بالضبط ما سيكشفه هذا المقال.
بعد تحليل أربع حلقات من برنامج «للحديث بقية»، ركزت على المؤشرات التالية: إجمالي تحولات الكلام Total Numbers of Turns، وعدد المقاطعات، ثم النسبة المئوية للمقاطعة. فبخصوص حلقة نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي الإدريسي، وصل عدد تحولات الكلام إلى 244، ووصل عدد المقاطعات إلى 76، وهذا ما يعطينا نسبة مرتفعة للمقاطعة وصلت إلى 31%. وهذه نسبة مئوية مهمة تعني أن كل ما حاول الضيف أن يبني فكرة أو يؤسس حجة معينة يتم إيقافه، وبالتالي تم كسر ثنائي الحوار الناجح والذي يتكون من سؤال وجواب كامل، فوجدنا أنفسنا أمام ثنائي مكسور تماما يتكون من سؤال ثم نصف جواب، مقاطعة وسؤال جديد، لذلك قد يجد المتلقي صعوبة في استيعاب الفكرة.
وبالرجوع لحلقة كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، لحسن السعدي، سنجد أن عدد تحولات الكلام وصل إلى 209 وعدد المقاطعات بلغ 15 مقاطعة فقط وهذا ما يعطينا نسبة 7% . هذه النسبة لها دلالة واحدة فقط هو أن الضيف امتلك 93% من المساحة الكلامية دون تشويش، وبالتالي فالصحفي في هذه الحالة ساهم في دعم تدفق الحجة بطريقة سلسة.
أما حلقة الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، ادريس لشكر، فوصل عدد تحولات الكلام إلى 194، وعدد المقاطعات إلى 6، وهو ما يعطينا 3.1% كنسبة للمقاطعة، وهي نسبة محترمة جدا سمحت للضيف أن يبني هرمه الإقناعي وأن يوصل فكرته للمتلقي بسلاسة.
وأخيرا، بالنسبة لحلقة وزير الاتصال والثقافة، المهدي بنسعيد، فوصل عدد تحولات الكلام إلى 253، مقابل 9 مقاطعات، وهو ما يعطينا 3.6% كنسبة للمقاطعة. وبالتالي فالضيف كان في بيئة تواصلية آمنة سمحت له ببناء حجج بطريقة سلسلة.
وفى هذا السياق، عندما نتحدث عن نسبة المقاطعة فالأمر يتعلق أساسا بالمقاطعات البنيوية التي تساهم في تشتيت التركيز وبتر الحجج، أما المقاطعات العفوية التي تهدف إلى تقديم توضيح معين أو ضبط إيقاع الحلقة احتراما لوقت البرنامج فهي لا تُحْتَسب.
ومن المؤشرات التي يجب أن نقف عندها كذلك هي مؤشر عدد التحولات الطويلة 100 كلمة فما فوق، وهي عدد المرات التي سُمح فيها للضيف أن يتحدث لمدة معينة (100 كلمة تعادل تقريبا 60 ثانية) دون أن يتعرض للمقاطعة. فبالرجوع لحلقة لحسن السعدي وصل فيها عدد التحولات الطويلة إلى 40، ووصل عدد التحولات الطويلة في حلقة المهدي بنسعيد إلى 36، وبالتالي يتضح لنا أن المحاور منح للضيفين مساحات مهمة لشرح الأفكار والأوراش. في حين أن عدد التحولات الطويلة في حلقة الأزمي وصل إلى 29 تقريبا، ولكن عندما نربطها بعدد المقاطعات التي وصلت إلى 76 فهذا يعني أن الضيف كان يبذل جهدا تواصليا مضاعفا لاستكمال فكرته في بيئة تواصلية «غير آمنة». أعتبر أن هذا الرقم هو مؤشر مهم جدا لأنه يدل على أن الأزمي لم يستسلم للضغط بل كان يحاول بناء الحجة في كل مرة يقاطَعُ فيها، بالإضافة إلى أن تحولات الأزمي الطويلة 100+ كانت في معظمها ردود دفاعية عن اتهامات معينة، بينما تحولات السعدي مثلا كانت عبارة عن عرض لمواقفه دون ضغط كبير يقطع حبل الأفكار.
لا أهدف من خلال هذا المقال أن أحاكم الصحفي، أو أن أدافع عن سياسي معين، لأن الأرقام، في نهاية المطاف، لا تعرف الأشخاص والصفات. هدفي الوحيد هو أن أُذَكِّرَ أن المشاهد المغربي عندما يتابع أطوار برنامج حوار ي سياسي على الشاشة لا يتلقى الواقع كما هو بتاتا، بل يصله الواقع كما صيغ خلال بث الحلقة. وبالتالي التسلح بأدوات الحياد أصبح اليوم ضرورة باعتبارها شرط أساسي للمواطنة الإعلامية، فنحن في مرحلة تتشكل فيها أغلب القناعات السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم على قنوات القطب العمومي قبل صناديق الاقتراع.
ملاحظة منهجية: تم استخراج هذه المؤشرات الإحصائية عبر تحليل نصوص الحلقات الأربع بعد تفريغها، وذلك بالإعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي لضمان دقة تحولات الكلام والمقاطعات بطريقة مضبوطة.






