سياسة واقتصاد

الفراقشية: حين يتحول الدعم العمومي إلى وبال اقتصادي

إدريس الفنية (محلل اقتصادي)

لم تعد ظاهرة “الفراقشية” مجرد مصطلح عابر في القاموس الاقتصادي المغربي، بل أصبحت عنواناً بارزاً لمرحلة سياسية واقتصادية بأكملها. فخلف هذا المصطلح الشعبي تختبئ منظومة معقدة من المصالح والتحالفات، تتغذى على الفراغ القانوني وضعف الحكامة، لتُفرز طبقة جديدة من المنتفعين على حساب القدرة الشرائية للمواطن.

إن قراءة موضوعية لمسار الأزمات المتعاقبة التي عرفها السوق الوطني، من كوفيد ومن ارتفاع أسعار الأدوية و المحروقات إلى أزمة المواد الغذائية الأساسية، تكشف عن نمط متكرر: الدولة تتدخل بسخاء عبر آليات الدعم، لكن هذا التدخل يفتقر في الغالب إلى الأدوات الرقابية الضرورية. والنتيجة الحتمية هي تحويل المال العام إلى مصدر إثراء لفئة محدودة، بدل أن يكون رافعة لحماية الفئات الهشة وتوجيه الدعم العمومي لمن يستحقه.

المضارب الجديد ليس فاعلاً اقتصادياً بالمعنى التقليدي، بل هو وسيط انتهازي يستفيد من امتيازات تشريعية وتنظيمية لا تُمنح لغيره. وحين تُسلَّم له “شيكات على بياض”، فإنه يتحرك وفق منطق الربح الأقصى في الزمن الأدنى، وبأقل مجازفة ممكنة دون أي اعتبار للأثر الاجتماعي أو الاقتصادي العام.

من أبسط قواعد التدبير العمومي الرشيد أن أي تكليف بمهمة ذات طابع استراتيجي يجب أن يكون مؤطراً بدفتر تحملات دقيق، يحدد الالتزامات والحقوق، ويضع آليات للمراقبة والمحاسبة والتقييم. غير أن المتتبع للقرارات الحكومية الأخيرة يلاحظ غياباً مقلقاً لهذه الأداة، وكأن السلطة التنفيذية تتعامل مع المضاربين بمنطق “افعل ما بدا لك”.

هذا الغياب ليس بريئاً ولا عرضياً، بل يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين القرار السياسي والمصلحة الاقتصادية الخاصة. فحين تتكرر نفس الأخطاء في ملفات مختلفة، فإننا لا نكون أمام سوء تدبير، بل أمام نمط ممنهج يستوجب التوقف عنده ودراسته بعمق لاستخلاص العبر .

من بين القراءات الممكنة لهذه الوضعية، تبرز فرضية الابتزاز الضمني للمسؤولين. ففي لحظات الأزمات الحادة، حين تكون الحكومة في حاجة ماسة لتدخل سريع لاحتواء ازمة معينة امام احتقان اجتماعي، يجد المضاربون أنفسهم في موقع قوة تفاوضية غير مسبوقة. فهم يفرضون شروطهم  وهي ان لا تكون هناك قيود ولا دفاتر تحملات ولا التزامات مجحفة.

هذه المعادلة المختلة تُكرس وضعاً شاذاً، حيث تصبح الادارة رهينة لفاعلين خواص بدل أن تكون هي المنظم والضامن للتوازنات الكبرى. وهذا في حد ذاته يتطلب اكثر من تسائل.

أظهر تقرير دولي حديث ما كان المتتبعون يلاحظونه ميدانياً: المغرب يشهد تسارعاً غير مسبوق في تكوين وتركز الثروات الكبرى، يقابله تآكل ممنهج للطبقة الوسطى وتوسع رقعة الفقر والهشاشة. هذه ليست مجرد أرقام، بل هي مؤشرات على تحول بنيوي عميق في النموذج التنموي.

السؤال الجوهري الذي يجب طرحه: من المستفيد الحقيقي من سياسات الدعم العمومي خلال السنوات الأخيرة؟ هل هو المواطن البسيط، أم فئة محدودة راكمت ثروات هائلة في زمن قياسي؟

الخروج من هذا المأزق يستلزم جملة من الإجراءات العاجلة:

أولاً، إقرار مبدأ الشفافية المطلقة في كل عمليات الدعم العمومي، عبر نشر دفاتر التحملات والعقود ومعايير الاستفادة.

ثانياً، تفعيل أدوات المراقبة البرلمانية والقضائية على القرارات الاقتصادية ذات الأثر الاجتماعي الكبير.

ثالثاً، فتح تحقيقات معمقة في الثروات التي تكونت بشكل مفاجئ خلال السنوات الأخيرة، لتحديد مدى مشروعيتها.

رابعاً، إعادة النظر في منظومة الدعم برمتها، بحيث يصل إلى مستحقيه الحقيقيين دون المرور عبر وسطاء انتهازيين واعتماد اليات دعم اكثر نجاعة وقابلة للقياس والمراقبة البعدية.

اما السؤال الجوهري الذي يطرح اخيرا ، ونحن على أبواب انتخابات هامة لمستقبل البلاد، ماهو الدور الذي سيلعبه الفراقشية في التأثير على مجراها ونتائجها باعتبار حجم الثروات التي راكموها بسهولة وارتباطاتهم السياسية والمصلحية؟