سياسة واقتصاد

من استعادة القرار إلى صناعة التأثير: كيف أعاد المغرب تشكيل سيادته الإعلامية حتى بلغ حوكمة TV5MONDE

توفيق ناديري (صحفي)

في لحظة تحمل أكثر من دلالة، أصبح المغرب أول دولة إفريقية تنضم إلى حوكمة TV5MONDE، الشبكة السمعية البصرية العالمية الناطقة بالفرنسية. خبرٌ يبدو في ظاهره مؤسساتياً، لكنه في جوهره يعكس تحوّلاً عميقاً في تموقع المغرب داخل خريطة الإعلام الدولي: من هامش التأثير إلى مركز القرار.

هذا الانخراط لا يمكن فصله عن مسار طويل،من إعادة بناء السيادة الإعلامية بشكل يتداخل فيه السياسي بالإعلامي، والثقافي بالاقتصادي وفق نسق متكامل يتطور بشكل مضطرد.

مسار لم يكن صدامياً ولا ظرفياً، بل تدرّج بهدوء وصرامة، من تفكيك بقايا النفوذ الخارجي إلى تثبيت نموذج وطني مستقل في الرؤية والتدبير. 

فقد عرف الإعلام المغربي، خلال مراحل سابقة، حضوراً فرنسياً وازناً في بعض مفاصله، سواء عبر شراكات تقنية أو امتدادات مؤسساتية، كما في تجارب ميدي 1 وجزء من دوزيم و ميد آن سات فيما بعد، وهو حضور ارتبط بسياق تاريخي كانت فيه موازين القوة تميل،بشكل واصح، لصالح الشريك الأوروبي بسبب سياقات سياسية داخلية وخارجية، غير أن المغرب اختار، منذ مطلع الألفية، مع العهد الجديد، أن يعيد ترتيب بيته الإعلامي من الداخل. فكانت “مغربة الإعلام” عنوان مرحلة مفصلية، أعادت فيها الدولة الإمساك بخيوط القرار التحريري والمالي والتقني، عبر إعادة هيكلة شاملة للقطب السمعي البصري العمومي. 

في هذا الإطار، برز دور الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة كرافعة مركزية لهذا التحول، حيث تم الانتقال من إعلام محدود الإمكانات والتأثير إلى منظومة أكثر بنيوية و احترافية، قادرة على الإنتاج، المنافسة، والتوسع والقابلة للدمج والإدماج .

وقد شكّل تدبير فيصل العرايشي لهذا الورش،رغم العوائق والإكراهات، نقطة ارتكاز أساسية، إذ لم يقتصر الإصلاح على تحديث البنيات أو توسيع القنوات، بل شمل إعادة تعريف وظيفة الإعلام العمومي ذاته: من أداة بث تقليدية إلى فاعل استراتيجي يشتغل بمنطق النجاعة والمردودية والانتشار والاندماج الهيكلي المؤطر باستراتيجية الدولة في تقوية المؤسسات الاستراتجية كما حددت،قبل سنتين ،في اجتماع مجلس وزاري، ترأسه  الملك.

ومع قرب استكمال هذا المسار الداخلي، لم يعد الرهان هو حماية السيادة فقط، بل تفعيلها خارج الحدود. وهنا يكتسب الانضمام إلى حوكمة TV5MONDE معناه الحقيقي: المغرب لم يعد مجرد فضاء لإستقبال وبث محتوى فرنكفوني، بل أصبح شريكاً في صياغته وتوجيهه. إنه بمعني أوضح هو انتقال نوعي من “امتلاك الوسيلة” إلى “التأثير في الوسيلة ”.

هذا التحول ينسجم مع دينامية أوسع في تموقع المغرب دولياً، حيث لم تعد علاقاته مع الفضاء الأوروبي، وخاصة فرنسا، محكومة بمنطق الإرث أو التبعية، بل أعيد تشكيلها على أساس الندية وتبادل المصالح وفق الفلسقة الملكية السامية: لا غالب ولا مغلوب.

وفي هذا السياق، يصبح الحضور داخل مؤسسة إعلامية دولية بحجم TV5MONDE امتداداً طبيعياً لدور مغربي متنامٍ في إفريقيا، حيث يشكل الإعلام أحد أدوات القوة الناعمة في تثبيت النفوذ الثقافي والرمزي المتنامي المتزامن مع عودة المملكة للحضن الإفريقي، كما أن آفاق التعاون مع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في الإنتاج المشترك وتبادل المحتوى تعكس تحوّلاً إضافياً: من استهلاك المحتوى إلى تصديره، ومن التلقي إلى الإسهام في بناء السرديات الإعلامية داخل الفضاء الفرانكفوني في زمن تشكل فيه السرديات جزءا من تشكل الوعي الداخلي والتأثير في الخارجي .

إن ما تحقق اليوم ليس مجرد انضمام إلى هيئة دولية، بل هو إعلان عن نضج تجربة إعلامية وطنية استطاعت، في ظرف سنوات، أن تنتقل من منطق “التحرر من التأثير” إلى منطق “ممارسة التأثير”.

من إعلام كان يسعى إلى تثبيت استقلاله، إلى إعلام يشارك في رسم ملامح المشهد العالمي.


هكذا يكتب المغرب فصلاً جديداً في تاريخه الإعلامي ينضاف لما تحقق اقتصاديا و سياسيا وأمنيا واستراتيجيا بما يحقق صلابة السيادة بكل أبعادها، سيادة لم تعد دفاعية، بل فاعلة ومؤثرة إقليمياً وقارياً ودولياً،وهو ما يفسر حالة السعار الذي أصاب،مؤخرا ،الإعلام الرسمي الجزائري الذي يعيش إفلاسا مهنيًا وأخلاقياً متزايداً،بعدما عممت الشبكة بيانها حول انضمامsnrt لحوكمة شبكة Tv5 monde، وهو ما يفسر بدرجة ثانية، أن المغرب بكل مؤسساته السيادية، يشتغل وفق استراتجية تقوية الجبهة الداخلية عبر الأوراش التنموية وتكريس التعاون المتبادل والتكامل مع الشركاء والفرقاء، عبر سياسة مد اليد والتعاون ونهج السياسة الناعمة والسلمية للدفاع عن صورته وصيانة حقوقه وتعزيز مصالحه ومكتسباته داخل سياق جيوإستراتيجي متحول ومليء بالألغام.