رأي

جواد مامون: تسبيق الأجور بمناسبة عيد الأضحى.. بين التخفيف المؤقت والأزمة الممتدة

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك في المغرب، يعود إلى الواجهة نقاش موسمي يتجدد كل سنة حول إجراء تسبيق الأجور، ذلك القرار الذي اعتادت الحكومة اتخاذه تخفيفا لأعباء هذه المناسبة على الموظفين؛ إذ أعلنت عن صرف أجور شهر ماي بشكل استثنائي قبل موعدها المعتاد، وذلك بهدف تمكين الأسر من اقتناء الأضاحي وتدبير مصاريف العيد في ظروف أقل ضغطا. غير أن هذا الإجراء الذي يبدو إنسانيا في ظاهره، يخفي في جوهره تعقيدات مالية كبيرة، إذ يتحول تسبيق الراتب إلى استدانة من المستقبل تغرق الموظف في متاهات شهر كامل أو يزيد دون دخل، مما يجعله أسير حسابات معقدة بين ديون العيد واحتياجات الحياة اليومية.

فعلى الرغم من النوايا الحسنة التي تدفع الحكومة إلى هذه الخطوة، فإن الوقوف عند تداعياتها يكشف عن تناقض صارخ في المواقف بين المسؤولين والنقابات والمواطنين على حد سواء؛ ذلك أن بعض الأصوات النقابية المحذرة ترى في هذا التسبيق مجرد مسكن مؤقت يخفي مرضا أعمق، حيث يمتد الشهر التالي لأكثر من أربعين يوما بدون أي مورد إضافي، مما يضع الموظف في مأزق حقيقي لتدبير احتياجاته من طعام وعلاج وكراء...، ناهيك عن تراكم الديون التي تستنزف دخله المستقبلي. وبالمقابل، يخرج مواطنون آخرون ليعبروا عن رفضهم القاطع لهذا الإجراء، مؤكدين أنهم يفضلون بقاء الأجور في أوقاتها المحددة؛ لأن تسبيقها يزيد الضغط عليهم لشراء الأضاحي والملابس والحلويات... بأسعار ترتفع بشكل جنوني مع اقتراب العيد، ليجدوا أنفسهم بعد انتهاء المناسبة غارقين في ديون ثقيلة وعاجزين عن مجابهة متطلبات الحياة.

ومن المثير للسخرية أن هذا النقاش حول توقيت صرف الرواتب ينسينا تماما التفاوت الفاضح في معاملة الموظفين حين يتعلق الأمر بمنحة العيد أو السلفات الاجتماعية، حيث تكشف الوقائع عن غياب تام للعدالة والإنصاف بين القطاعات المختلفة؛ فبينما تمنح بعض الإدارات موظفيها منحا، وربما سلفات يتم تسديدها بدون فوائد، نجد قطاعات أخرى محرومة تماما من أي دعم مالي. إن هذا التفاوت الصادم يعمق مشاعر الإحباط بين صفوف الشغيلة المغربية، ويحول العيد الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتآخي إلى ميدان للمقارنات المريرة بين حظوظ الموظفين في قطاع وآخر.

إزاء هذه المعطيات كلها، يبدو أن ما يحتاجه الموظف المغربي اليوم ليس تسبيق راتبه الذي يحرمه من دخل الشهر الموالي، ولا سلف بفوائد أو بدونها تزيده ديونا فوق ديونه، بل استراتيجية واضحة وجذرية لتحسين دخله وتثبيت قدرته الشرائية بشكل حقيقي ومستدام؛ إذ إن ارتفاع أسعار الأضاحي التي تلتهم أحيانا أكثر من نصف دخل الموظف، وتزامن ذلك مع أعباء الكراء والتعليم والعلاج... التي لا تعرف توقفا، يجعل من العيد كابوسا سنويا يتكرر بنفس التفاصيل المؤلمة. 

لقد آن الأوان لأن تنتقل الحكومة من منطق المسكنات المؤقتة إلى منطق الحلول الجذرية التي يستحقها الموظفون والأجراء في المغرب، سواء كانوا رجالا أو نساء، إذ لا يختلف الأمر بين موظف وموظفة ولا بين أجير وأجيرة حين يحل العيد وتتساوى الأعباء المالية على الجميع. فكم من موظفة وأجيرة تستعد لاقتناء الأضحية وتجهيز ملابس الأطفال وتحضير موائد العيد، ثم تجد نفسها بعد انتهاء المناسبة غارقة في ديون ثقيلة تمتد لأشهر طويلة، لأن تسبيق الراتب الذي كان حلا مؤقتا تحول إلى عبء إضافي حين امتد الشهر التالي لأكثر من أربعين يوما بدون أي دخل جديد. 

 صفوة القول، فأي بهجة ينتظرها الموظف أو الأجير من عيد يبدأ بقرض ويختتم بحسرة؟ إنه يخرج من فرحة العيد ليدخل في متاهة أسابيع طويلة بلا دخل، وقد التهمت الأضحية وتكاليف المناسبة كل ما ادخره من جهد شهور. هكذا يتحول العيد إلى فخ سنوي: دفء اللحظة الواحدة يقابله برد أيام عديدة من العوز والصبر على تراكم الفواتير والحاجيات التي لا تعرف تأجيلا. فهل يسمى هذا عيدا، أم استنزافا مقنّعا يسرق هدوء الموظفين والموظفات بعد انقشاع الغبار؟