فن وإعلام

حسن نرايس يناقش ممكنات الكوميديا رصد تناقضات المجتمع المغربي

سمير السباعي

أسدل الستار بحر هذا الأسبوع في الدار البيضاء عن الدورة السادسة للمسرح الوطني للمسرح –دورة المرحوم فريد لمكدر- التي نظمت من طرف مقاطعة الحي المحمدي داخل بعض الفضاءات الثقافية المتواجدة بتراب هذه الأخيرة. ضمن هذا الإطار؛ احتضنت الخزانة البلدية بنفس الحي المذكور مساء الثلاثاء 19 ماي 2026 لقاء فكريا شكل مناسبة، حاول من خلالها الكاتب والناقد حسن نرايس تفكيك موضوع الكوميديا و خصائصها الفنية الجمالية و عمقها الإنساني، و مدى قدرتها على كشف تناقضات الإنسان المغربي بمفهومه الجمعي الشعبي، في تقاطع مع سرديات بعض الذين شاركوا في تنشيط هذه الحوارية الفكرية التي ميزت اللقاء. عموما، أمكن الإمساك بثلاثة محاور موضوعاتية كبرى بدت كمحرك للنقاش العام الذي عرفته هذه الندوة.

قراءة تاريخية ابستمولوجية في تطور فرجة الكوميديا

إن الحديث عن الكوميديا كظاهرة إنسانية من منظور معرفي، لا يخلو من صعوبة على اعتبار أن الموضوع تتقاطع في دراسته مجموعة من الحقول المعرفية المتعددة مثل: علم النفس و علم الاجتماع و التاريخ إلى جانب الفلسفة. و هو ما يعبر عن حجم الآفاق البحثية التي يمكن أن يولدها هذا الفعل الإنساني أي إنتاج وتلقي الضحك ، المختزل في عمقه لأسئلة الإنسان الوجودية و نظرته النقدية لذاته والكون و حركة التاريخ حسب تعريف للكاتب عبد الله الكدالي(جزء من مداخلة حسن نرايس ). وقد برزت الكوميديا بمعناها الإغريقي كتعبير فرجوي احتفالي، سعى من خلاله مجموعة من شعراء المواقف المسلية إلى جعل الضحك في متناول عموم الجمهور إن صح التعبير، على امتداد مختلف المدن والقرى بالعالم الإغريقي كفعل ثقافي يساعد المجتمع على مواجهة مأساته و همومه الجمعية المعيشية، قبل أن تعرف الفرجة الكوميدية تطورا تاريخيا كبيرا داخل أوروبا لا في أدوات اشتغالها فحسب؛ و إنما أيضا في أصنافها و أنواعها و اتجاهاتها الفنية من شكسبير إلى كوميديا ديلارتي التي ظهرت في القرن 16م؛ كترجمة على قدرة روادها ركوب غمار الارتجال و اللعب بالأقنعة و حركات الجسد المتناسقة، وصولا إلى كوميديا الميم التي انتصرت للغة الصمت كقاعدة لإنتاج فعل الضحك والإضحاك لصالح الجمهور المتلقي(جزء من مداخلة نرايس). أما في التجربة العربية الإسلامية فقد لقي سوق الضحك رواجا عظيما خاصة في العصر العباسي حيث أصبح للمضحكين أو من سموا بالظرفاء قوة تأثير ثقافي واضح في المجتمع حينها؛ نظرا لسلطة الإضحاك التي تمتعوا بها، أمثال: أبو علقمة و جحا صاحب النوادر بالإضافة إلى الجاحظ الذي نجح عبر سرديته المضحكة المكتوبة؛ حول حضور البخل في الثقافة العربية؛ في التعبير عن قدرة الفكاهة على كشف المتناقضات الغير المعترف بها والمسكوت عنها في التعبيرات الجمعية داخل المجتمع(من حديث نفس المتدخل) .

مسرحة الكوميديا أفق لإنتاج فرجة الضحك

تشكل خشبة المسرح إحدى الفضاءات التاريخية التي مارس من خلالها الكوميديون فعل الفكاهة و إضحاك الجمهور، عبر مسرحة مساحات من الامعقول الجمعي المنبثق من سعي الكوميديين أنفسهم التعبير بشكل عضوي عن مواقف و متناقضات المجتمع فوق الركح؛ ببناء درامي و كتابة كاشفة تستطيع أن تحول مأساة إنسانية عبر فرجة مقننة منسجمة مع سردية العمل المسرحي المعروض إلى كوميديا حقيقية فوق الخشبة. كوميديا تجعل من جدلية الهدم والبناء حسب مفهوم باختين أدوات فكرية لتمكين المتلقي الجمعي من تمثل أفقه الإنساني إن لم نقل المصالحة مع ذاته و متناقضاته و أحزانه و نزعات الاستيلاب و محو الذاكرة التي يتعرض لها حسب التعبير الكونديري، لتبدو في الأخير تصفيقات الجمهور أثناء و بعد الفرجة الكوميدية تعبيرا حيا؛ عن انتصار العامة للحرية و حقها في معانقة للحياة( جزء من مداخلة نرايس). وقد برز في هذا الإطار عدد من الكوميديين في المغرب الذين حفروا اسمهم بشكل واضح في ذاكرة كوميديا الخشبة على امتداد عقود من الزمن؛ عبر تجارب تقاطع في تشكيلها الاقتباس النصي من تجارب مسرحية كوميدية غربية خاصة في مسار الطيب لعلج، بمحاولة البعض الآخر التأصيل لفرجة كوميدية مغربية استنادا على الحفر في بعض متون الموروث العربي كما هو الشأن في تجربة الراحل الطيب الصديقي؛ وصولا إلى تجارب راهن أصحابها على الثنائيات؛ كمعبر لخلق و إبداع الفكاهة الجماهيرية مثل: ثنائيات الراحلين بلقاس و عبد الجبار الوزير، و خديجة أسد وسعد الله عزيز، هذا دون نسيان زخم تجربة الثنائي الساخر بزيز و باز(جزء من حديث المسرحي محمد فتال وعدد من الحضور).

الأفق القيمي شرط لإنتاج كوميديا ناقدة و واعية

لكي تضطلع الكوميديا بهذا الدور الثقافي التثقيفي اليوم في المشهد المغربي، وجب على الكوميديين أنفسهم الانتباه إلى هذا الدور الطلائعي الذي يمكن أن يمارسوه في المجتمع ذلك؛ أن فعل الفكاهة لا يرتبط بإنتاج سخريات هنا و هناك مجانية و غير معبرة عن أي أفق فكري، و إنما ينبني أساسا؛ على تمكن الفكاهي نفسه من تملك مادته الفرجوية و النظر إليها بمنظور نقدي مفكر فيه حسب التصور البرجسوني؛ بما يسمح بأن تولد عمليا لحظة إضحاك واعية؛ بمدلولها و بالمواضيع المجتمعية التي تناقشها دون أن يسقط الفكاهي و المتلقي معا في فخ الانفعال أثناء لحظة إنتاج و تلقي العرض الكوميدي( جزء من حديث نرايس والناقد الفني عبد الله الشيخ). و هو ما يعني أن الكوميدي المغربي مطالب الآن؛ بأن تكون له القدرة على ملاحظة يوميات المجتمع بمسافة أنتربولوجية تمكنه نسبيا من التقاط الامعقول والمتناقضات الكامنة في حركة الجمعي، كمواد خام قابلة للمسرحة الفكاهية الواعية البعيدة تماما عن أي فرجات كوميدية معروفة الآن بتوظيفها للتجريح والسب والقذف كأدوات لإنتاج فعلها الفكاهي، الذي لا يمت بصلة للدور المجتمعي الأصيل المفروض في الفكاهة؛ كإبداع فني لرسم الفرح و السرور بخلفية قيمية على محيا الجمهور المتلقي( من حديث نرايس و فتال).