كم من مرة، خرجت علينا حكومة “الكفاءات الخارقة” بخطابات مطمئنة وكأنها تبث نشرة من كوكب آخر، تؤكد للمغاربة أن الأضاحي متوفرة وبأعداد تكفي الجميع، وأن الأمور تحت السيطرة، والاثمان مناسبة لا تتعدى الف درهم إلى الف وخمسمائة درهم (100/ 1500) وأن “الخير موجود”. لكن ما إن ينزل المواطن البسيط إلى الأسواق حتى يكتشف أن الحقيقة شيء، والبلاغات الرسمية شيء آخر تماماً، فالمواطن لم يجد “الوفرة” التي تحدثوا عنها عبر وسائلالإعلام، بل وجد نفسه أمام أسواق شبه فارغة، وفوضى عارمة، ولهيب أسعار جعل شراء أضحية يبدو وكأنه مشروع استثماري ضخم يحتاج إلى قرض بنكي لا إلى راتب شهري منهك أصلاً. أما رؤوس الأغنام، فقد أصبحت تظهر وتختفي وكأنها كائنات أسطورية لا يراها إلا أصحاب النفوذ والجيوب الممتلئة.
الغريب أن الحكومة لا تكذب مرة واحدة ثم تصمت، بل تصر على إعادة نفس الرواية في كل مناسبة، وكأن المغاربة يعيشون خارج الواقع ولا يرون بأعينهم ما يجري في الأسواق والأحياء والضيعات. بل الأكثر إثارة للسخرية أن المسؤولين يتحدثون بثقة مدهشة عن “نجاح التدابير”، بينما المواطن يركض من سوق إلى سوق بحثاً عن كبش لا يشبه سعره ثمن سيارة مستعملة. إن الأزمة الحقيقية لم تعد فقط في غلاء الأسعار أو ندرة القطيع، بل في هذا الاستهتار بعقول الناس، وفي هذا الإصرار المرضي على تلميع الفشل وتسويقه كإنجاز تاريخي. فالحكومة التي تعجز عن ضمان أبسط شروط الاستقرار في سوق موسمي تعرفه البلاد كل سنة، ثم تخرج لتقول إن كل شيء بخير، تشبه تلميذاً رسب في الامتحان لكنه يطالب بجائزة التفوق لأنه كتب اسمه بشكل جميل على ورقة الامتحان. باختصار، ما يقع اليوم يؤكد أن “حكومة الكفاءات” نجحت فعلاً، لكن في شيء واحد فقط: تحويل الواقع القاسي إلى بلاغات وردية، وتحويل معاناة المواطن إلى مادة للاستهلاك الإعلامي، بينما الحقيقة تُذبح يومياً في الأسواق قبل أن تُذبح الأضاحي نفسها.






